My articles مقالاتي


محرقة الشعر1abu198.gif

ما يجري بحقّ الانسان راهناً، يشكّل محرقة للشعر، لأن الشاعر يعيش الحريق مرتين: كإنسان أولا ثم كشاعر. ولمن لا يفصل بين الاثنين، فإن الإنسان يعيش ما يحدث أو يتأسف له، لكن الشاعر يشعر بمسؤولية ما قد تضيع بين الالتزام الغاضب، والقاتل للشعر، وبين الاكتفاء بالصمت، والتلهي بشؤون أخرى تعبق بها الحياة، إذا كان قادراً على ذلك، وهو يقدر على ذلك في كل الأحوال ما دامت النار لم تبلغ بيته، والموج لم يطمر روحه. وبذلك سوف يسهر سهرات تجمع بين الأسى واللهو، بين الكأس ووجع الرأس.
خلال حصار بيروت سئل محمود درويش عن دورٍ للشعر، فأجاب بما معناه أنّ الدور الآن للسلاح، وليس للشعر. وكان الشعر قد لعب وقتها دوراً قريباً من السلاح ومن مقالات تحفيزية ليس أكثر.
وقت المآسي يكون الشعر الرديء هو الأسبق. لأنه يتفاعل فيسيولوجيا مع الحدث ويجد قُرّاءه أيضاً من بين متسقطي الأخبار والباحثين عن نفَسٍ مغاير خارجها، أي في الشعر وربما عند الإله. ذلك ما حدث مع شعر الحجارة خلال الانتفاضة الفلسطينية؛ وقتها كتب سميح القاسم يقول للطفل، إذا افتقدتَ الحجارة عليك أنْ ترمي الدبابة بلحمك. وقال ممدوح عدوان، معليش اكتبوا شعراً رديئاً. وبالفعل كُتبتْ أطنان من الشعر الرديء. لا أعلم كم بقي منه حتى الآن لغير أرشيف التاريخ. ذهب ذلك الشعر وذهبت الانتفاضة بدورها إلى أرشيف التاريخ.
كتابة الحدث لا تكون إرادية وإلا سقطت القصيدة على عتبة التضامن. وهي في مجال التضامن لا تجدي شيئاً مقارنة بطوق نجاة أو زورق إنقاذ.
ثمة كتابة يمكن أنْ تتم بسبل أخرى في مجالات أخرى غير الشعر. وثمة تحركات يمكن أنْ يتبناها الشاعر خارج القصيدة. لكن القصيدة لقيطة. ليست ابنة الأفعال الصادقة دائما. ربما تفاجئ شاعرها وتفاجئ قارئها. غير أنها في كل الأحوال ليست تلك التي ينوي صاحبها اقترافها عمداً. إنها تشبه تلك النباتات الطيبة التي تباغت صخرة أو تنبثق من بين شقوق الأرض الجافة المتيبسة.
كيف للشاعر أن يتألم، ويتأمل، ويغضب، ويفعل، ويتنفس، ويتأوه. ثم يحملق أمامه في ورقة بيضاء، لا يقترب منها إلا ليرى ألسنة لهب وأمواجاً تقلب المراكب وتعبث بالجانحين؟ كيف يخرج من كل ذلك: ليقول ذلك بهدوء يشبه هدوء البحر قبل العاصفة، ويأتي بقصيدة هي العاصفة بعد أنْ هدأتْ؟
كلام وتنظير، على الممكن وعلى المستحيل. قد تأتي منه بعض إجابات شافية، بعد السقوط الإنساني الكبير، وليس خلال إمعان النظر فيه.
محمد علي اليوسفي
مجلة الجديد [نُشر في 01/10/2015، العدد: 9، ص(45)]
1abu198.gif

هذا عنوان طويل، لمقال قصير القامة، عن ثورات قصيرة النفس، بدأتْ بأنْ رُكِلتْ ركلاً، وقد ظُنَّ أنها ابتُكِرَتْ وانتهى بها الأمر إلى أنْ خُطِفَتْ!0

 

شايفيني وأنا مخطوفة

أو

مراحل الربيع الثلاث؟

انمي مخطوفة 

المرحلة الأولى: ثورات حقيقية، حار فيها الفكر، وقُورِنتْ بثورات العالم. والمهمّ أنها كانت تقترب من فلسطين(!) والأهم، أنّ الكنغرس الأميركي الثوري قد صفّق لها واقفاً، وكاد يرقص السامبا!0

المرحلة الثانية: إي نعم، كانت ثورات “حقيقية”، لكنهاخُطِفَتْ!0

المرحلة الثالثة: شايفيني وأنا مخطوفة؟ (مكاسب: حريات، أحزاب مستعدة لكل التنازلات من أجل الفوز بالحكم، يأس جماهيري، صدقات وهِبات، قروض ومعونات… إمعاناً في عبودية العالم الجديد بثياب جديدة.)0

:خاتمة

لكن هناك من لا يزال يصدّق ويسعى إلى حركات تصحيحية: بقيادة اليسار المتجدد، أو بقيادة خاسري الثورة الاسلامية، أو حتى بقيادة بنت المتوكّل وجاراتها؟0

 

1abu198.gif

يبدو أننا بخير

محمد علي اليوسفي

 

نعم يبدو أننا بخير

بهذلوا شهداءنا وعائلات شهدائنا؟

مامن مشكلة؛ لقد تركوهم كي تحتفل بهم الأجيال القادمة

*

ساوَمونا على جَرْحانا من أول يوم، ووزّعوا بعضهم على مضافات دولية وعلى محطات بنزين؟

مامن مشكلة؛ سنردّ عليهم بأعراسنا وأفراحنا وليالينا الملاح

*

خذلتنا الحداثة محتفية بنفسها في مرآتها ومستقوية على ضعفها بمكياجها وصرخاتها، صرخات الأنين الليلية، بلا معتصم لها إلا المنابر الدولية؟

مامن مشكلة؛ سنحضر عروض مهرجان قرطاج، ونجامل الفن القديم القادم في إهاب مطربين مشعوذين قادرين على تحيتنا باسم الثورة وإضافة صفة الكرامة إلى شعبنا العظيم، الحساس، الذواق

*

حاصَروا الفنون الاستفزازية التي طلعت بقرون الثور لتعاين مزاج الوحش، وتختبر جوعه الذي مر بمرحلة الشبع المؤقت؟

مامن مشكلة؛ سنتخلّى مؤقتا عن رسم التماثيل والنساء الجميلات، ونخرج في هيئات تماثيل متحركة تتعرى على شواطئنا الفارغة من رسوم دالي وميرو ومودلياني

*

جعلونا ننتخب ذقوننا لنضحك عليها؟

ما من مشكلة؛ ذقن مضحكة تفقد وقارها بسبب ضحكاتنا، وترينا أسنانها الصفراء وقصرها ومطبخها، أفضل من ذقن محلوقة تستبد بنا عقودا من الزمن، ولا ترينا إلا حركات الدمية التي تخفي عللا في اللسان ومرضا في العقل. ولا تنسوا أننا ربحنا أصابع زرقاء

*

لا سيدة أولى لنا، حتى الآن؟

مامن مشكلة، سنشتري واحدة يتلهى بها أطفالنا

*

أخفوا عنا سلفيّينا الجميلين الجريئين المفاجئين الطالعين علينا تحت ضوء القمر؟

مامن مشكلة؛ لن نكون مثاليين لنقول: ” وجود الأشياء كونها مُدْرَكة ” بل سنبقى نؤكد”: حتى الأشياء غير الموجودة يمكنها أن تكون مدركة

*

فتحوا الحدود للساخرين من فتحها خليجيا والذين قالوا: “طامعين في فلوسنا”، وللجزائريين الذين اعتادوا لطم البايات بحملات الدايات منذ القرون العثمانية العلية؟

مامن مشكلة؛ حتى ولو استثنوا ليبيا، وأعلنوا الصحراء منطقة عسكرية، سوف نعيش الإثارة والتوتر والأكشن من بنات آوى المتسللة من شمال مالي “ومال الناس” عبر جزائرنا الحبيبة

*

بغدادي ليبي؛ أخطأنا تسليمه إلى بغداد؟

مامن مشكلة؛ فقد سلمه الحاكمون الفعليون، وأسرع المعارضون المغرضون إلى الحديث عن ضربه وتعذيبه وقتله، ليخرج علينا بالصوت والصورة ويقول لنا: ” أنا حيّ أرزق

!”

*

مشاكل أخرى في البنك، والإعلام، والطرقات، وحقوق الإنسان؟

ما من مشكلة؛ كل شيء عندنا يغلق ثم يفتح، يخطئ ثم يتراجع، يظهر ثم يختفي مثل المذكورين أعلاه

(سلفيينا الجميلين الجريئين المفاجئين الطالعين علينا تحت ضوء القمر)

*

لا تنزعجوا كثيرا؛ لماذا تتصرفون وكأنكم قرأتم “صحراء التتار” للإيطالي دينو بوتزاتي، أو قصيدة اليوناني الاسكندراني قسطنطين كفافيس، متسائلين معه في الخاتمة: “والآن ماذا سنفعل من دون برابرة؟ ”

“سنظل نكرر: ” إنهم قادمون

لا لشيء إلا لكي نبرهن أننا بخير

وكل ما تبقى لهفة وتسرّع وضيق صدر وتأتأة ديمقراطية و… حسد أيضا

صدقوني نحن بخير

 

1abu198.gif

1abu198.gif

( كس وكسكسي وفلفل، والخلفية ظلامية (إحدى لوحات المعرض

مرسى پوليس

محمد علي اليوسفي

يمكننا النظر إلى ماحدث في قصر العبدلية بالمرسى مع مقارنته بماجرى سابقا في قاعة سينما أفريكارت (عرض فيلم برسوبوليس، وكلاهما في شهر جوان) لنجد أننا في المناسبتين كنا أمام عروض متفاوتة في درجة الرداءة وتتقدم بموقف إيديولوجي أكثر منه جمالي، لتجئ ردود الفعل أعنف مما هو متوقع، فيسعى الكثير منا إلى البحث عن الأسباب البعيدة وليس إلى الحادث في حد ذاته. ذلك أن أزمة الثقة التي طبعت البلاد منذ انتهاء اللُّحمة الثورية الأولى، أبعدت أي احتمال للنظرة البريئة في كل شيء، في كل حدث، وفي كل مبادرة

ليس من السهل طبعا أن ننظر إلى حادثة المعرض التشكيلي باعتبارها مجرد ” مساس بالمقدسات” و ” ردّ فعل على ذلك المساس” دون أن ننفي أن في ذلك بعض الحقيقة ( هناك رسوم وقحة، فجة ومسيئة). بل يمكن القول إن معرض المرسى كان النقطة التي تكثفت فيها الأسباب غير المباشرة لتحقق السبب المباشر الذي يكون هو الفتيل والصاعق، كما يحدث في مقدمات الحروب مثلا

المحزن في الأمر أن هذه الحادثة الجديدة جعلتنا نتجرع بصعوبة تصريحات المسؤولين وخصوصا ندوتهم الصحفية التي تساوَى فيها السائل والمسؤول والمواطن المتفرج؛ كيف؟ هكذا: كلنا لا يعرف كيف حدث الذي حدث واتسع كل ذلك الاتساع، وكلنا لا يعرف من يختفي وراء ما حدث، وأخيرا: كلنا ينتظر نتائج التحقيق

كأننا كنا، بل ” كنّا” أمام منظرين حزبيين يدلون بآرائهم التحليلية والمتمسكة بالقانون قبل كل شيء. شخصيا أول درس تعلمته من القانون هو أنه لا يسنّ في الدرجة الأولى إلا لحماية مشرِّعه – لا الفردي طبعا، بل الفئوي، الطبقي، إلخ

كل المتدخلين وقفوا على الحد الفاصل بين كل شيء: الخوف من حرية التعبير والخوف عليها، الخوف من المساس بالمقدسات والخوف من حدودها. وكان أفضل الحلول هو الغمز صوب الجهتين معا. لا أحد تكلّم ببساطة خالية من هذا الجدل. هناك جهات مسؤولة عن تحديد كل شيء، لكنها لم تحدد شيئا. رمت بكل شيء إلى القانون مع أن ما حدث ليس جديدا بل هو تراكم في ظل القانون التسويفي شبه النائم. هناك تحركات هدامة تتصرف كما يعنّ لها. في البداية تحركت هنا وهناك… لتُقَدّم لنا على أساس أنها تحركات ومبادرات معزولة. لكن الذي حدث أن التغاضي عن تلك ” الجزر المعزولة” جعلها “تتكتّل” و”تنهض” و”تتآمر” (في غياب إجراءات ملموسة من طرف المشتقات اللغوية الحزبية لتلك الأفعال المضارعة: التكتّل والنهضة والمؤتمر، أو الثلاثي الحاكم الذي ظل يلعب لعبة الوقوف على الحدّين

لم يعد السؤال يتعلق بــ “من هم؟” بل صار يتعلق بــ ” من يختفي وراءهم؟ “. هل هي الثورة المضادة؟ وهل هم في تحالف “موضوعي” مع ممثلي هذا الشبح الذي اسمه الثورة المضادة؟ هل هم مُحْكمو التنظيم إلى درجة الاستجابة لنداء ظواهري “القاعدة”؟ هل لمبادرة السبسي علاقة بما حدث ويحدث؟ لماذا تجاوزت النار رواق الفن إلى المؤسسات والمحاكم وسيارات الإطفاء وغير ذلك. ولماذا شملت “فتيان” الأحياء الشعبية تحديدا؟

عندما كانوا جزرا معزولة لم يثيروا مثل هذا السؤال، أي ” من يختفي وراءهم؟”  فمن المعروف أنهم السلفيون لا غيرهم. لكننا سمعنا أنهم ” أبناؤنا” أيضا! حتى ازدادت الصورة وضوحا عند الكثيرين: إنهم على ما بدا يتوضّح، احتياطيو النهضة الذين يمكّنونها من القضم والهضم من دون تعريض سمعتها وتجنيد فرسانها المتشددين

!سنة أولى حكم= سنة أولى تعثر؟ ممكن

لكن يمكن الرد أيضا على الطريقة العراقية: ” ماكو أوامر!” ولمن لا يفهمها: ليست هناك أوامر بالتدخّل

فالداخلية تُضْرَب وتُجرَح وفاعليتها مقلقة. والثقافة تتأرجح بين القديم، والجديد ذي الحديّْن: ثقافة السلف وثقافة الخلف. والعدل يُعتدى عليه في عقر داره. ووزارة الشؤون الدينية تلهب الوضع في التلفزة وتستكين في المؤتمر الصحفي. أما المواطن في حيرته فهو لا يعمّق إلا غصّة تكاد تصير واحدة: “يا حسرة على أيام الزين!” فهل يختفي حل اللغز في سبب هذه الحسرة، وبالتالي في نتيجتها أيضا؟

1abu198.gif

في ذلك اليوم لاح بورقيبة قزما

بورقيبة طفلا

محمد علي اليوسفي

 

اقتربت الباخرة فشعرنا بتضاؤلنا. كان الأبطال المندحرون يطلون من الكوى الضيقة بشرا في الذاكرة وأسرى في الواقع. وزعوا من عليائهم إشارات تائهة، ثم وصل الرئيس. لا بد من التدقيق: الرئيس لم يصل، بل أُوصِلَ. كان مرفوعا على أكتاف مرافقيه. يغوص فيها، فلا يكاد يظهر، بينما يظهرون في جلبة حوله. يعيدون رفعه قليلا، حتى يبرز جسمه الضئيل وحركة يده التي تحيّي الباخرة بحركته التي باتت خرقاء ولازمت أيامنا الأخيرة. جسمه الضئيل ازداد تجمعا في منطقة الرفع تلك، بكل سنوات حُكمه التي لم تفسد شهوة السلطة، كما كان يعدنا في كل عيد من أعياد ميلاده صراحة: سوف نلتقي بعد عشرة أعوام! هو باعتباره رئيسنا، ونحن باعتبارنا ممنونين له وللعناية الإلهية التي تشترك معه في صفة واحدة على الأقل: الأبدية!

كان رئيسنا إلى الأبد، رئيسنا الذي علّم من جاء بعده السحر: أن تبدأ انسانا ناقصا وتنتهي أبديا. غير أن زمن الأبدية انكسر مرتين: مرة بمجيء الجنرال مدعيا إصلاح الشيخوخة العاجزة أمام الأبدية، ومرة بمحاولته ركوبها لكن بسقوطه المدوّي الذي لم يخل بدوره من دور مختلف لجنرال آخر…

الباخرة، ربما بسبب تضاؤل الرئيس، تزداد ارتفاعا. لكنها لاحت كذلك منذ أن اقتربت من ضآلتنا أيضا ونحن في ميناء بنزرت. اسمها سولفيرين، أليس كذلك؟ وزعت علينا مجاهدين سوف يُضيعون الكثير من توازنهم، في بلد أحبهم وأحبوه. لكنه لا يشبه بيروت ولا عمان، ولا فلسطين طبعا، فلسطين التي لم يخلق الرب مثلها جمالا وظلما، منذ أن فتحت ذراعيها للأنبياء. وهي نفسها التي سوف تخرب أي مقام آخر تاركة الحالمين بها ضائعين بين المنافي: لا هم في هذا الهنا المتعدد والمتوزع على جغرافيا الرب، ولا هم هناك؛ حيث منبت الأنبياء القساة.

بدؤوا بالنزول!

حركة ملتبسة محكمة الإخراج: كل نازل يهرول بحركة قتالية خفيفة ويسلم سلاحه في مكان معلوم. ثم يتابع خروجه متبرعا بحطّته الفلسطينية التي يتزاحم عليها الجمهور المبتهج. مقاتل إثر مقاتل يهرولون ويتجردون من شيء ما، للذكرى، بينما الذكرى الأصل تزداد توهجا.

لا شك أن الرئيس قد انسحب، ما دام الكلام لا يأتي به الآن، ولا الصور.

أرصد كوى الباخرة. بحثا عن وجوه أعرفها، أسمع اسمي. وأكثر من ذلك أسمع من يطالب برقم هاتفي؟ أمتثل وأرسم الأرقام تباعا بأصابعي. هناك من يراقبني من ورائي. وما المشكلة؟ لم نصل بعد إلى أيام الرعب الأمني.

عدت من بيروت قبلهم. كان ذلك قبل ثلاثين سنة.

في منتصف شهور الحصار، وعندما بدأت تتردد فكرة إجلاء المقاتلين عبر البواخر، قلت لأصدقائي: ” من الأفضل لي أن أعود إلى بورقيبة بالطائرة!” وهكذا كان. من بيروت المحاصرة، إلى طريق يراقبه الإسرائيليون ويشجعون المنسحبين مثلي، ومثل فيصل دراج في السيارة نفسها، لم تحدث لي مشكلة إلا مع الجمارك السورية. اللعنة! استقبلوني برمي كل محتويات حقيبتي على الأرض. طارت أشيائي القليلة وبعض ما عزّ عليّ تركه من ملابس زوجتي العروس الفلسطينية التي سبقتني إلى تونس. استجمعت كل شيء بغباره وفوضاه، مستكينا، خانعا لحراس العروبة الممانعة.

وفي دمشق وجدت المدينة تعيش.

أما في تونس فقد دخلتها آمنا: كنا لم نصل بعد إلى أيام الرعب الأمني. وهي أيام سوف تأتي لاحقا، وتجرجرني بين المبنى الرمادي العتيد الذي دوت أمامه كلمة “ارحلْ” والمراكز التي أجاورها في السكنى، بغير تهمة محددة إلا ” الغموض” وعدم الولاء؟

1abu198.gif

هل يبقى هذا المكسب على الأقل؟

محمد علي اليوسفي

!ما أحلى الحياة بدون ميليشيا

          بين 9 أفريل وغرة ماي، سمعتُ العشرات من الناس يقولون: أية ثورة هذه؟ كان عهد الزين أفضل! وكان هؤلاء الناس من فئات مختلفة من حيث البيئة الاجتماعية والدرجة العلمية ومستوى الوعي. وفي إحدى المرات، وُوجِهتُ شخصيّا بهذا السؤال: ” ماذا ربحتَ من الثورة، أنت شخصيا؟” أجبت: ” طبعا ربحت حرية التعبير!” بعضهم فتح عيونا واسعة متفاجئا بالجواب. ثم استدرك قائلا: ” آآآآ صحيح! أنت كاتب، وتحتاج إلى ذلك!”

          في تلك اللحظة كدت أذهب إلى الاعتقاد بأن متعة حرية التعبير لا تعني الكثيرين بالدرجة التي تعني الكاتب والصحافي والفنان… لكنني استدركت بدوري: حرية التعبير هي نفسها التي تجعل الجائعين يقولون إنهم جاعوا، كما تجعل المعطلين عن العمل يقولون إنهم يريدون عملاَ، وأكثر من ذلك يعتصمون ويصرخون… وحرية التعبير هي التي تجعلنا نعرّي كلَّ من يحاول أن يسلك سلوك الماضي باسم الشرعية النضالية مرة وباسم احتكار الدين والإيمان مرات.

          صحيح أن مكسبنا الواضح، حتى الآن، هو حرية التعبير، لكنها حرية خضعت بدورها إلى قاموس التجاذبات والمناورات، وسياسة القضم والهضم، والحظر والتنفيس، حتى باتت مثل غيرها، مما يُفترض أنه من مكاسب الثورة، قابلة للّجم والاستعباد بتبريرات متعددة. بل خيَّم شبح آخر يمكنه أن يتجلّى بأبشع صوره، ضمن صيغة ديكتاتورية مستحدثة عندنا، ولو أنها عريقة في غير بلدان العالم الثالث: تكلمْ كما تشاء ونحن نفعل ما نريد.

          احتجاج الناس على ما آلت إليه الأمور، بالإضافة إلى جحيم الأسعار الذي يكاد يفتح أبواب جهنم على شهر رمضان، والذي تجلى بتمنّي العودة إلى ما سبق، هو طريقة أخرى للممانعة والرفض. فكل حِكمنا القديمة مازالت صالحة: ” شد مشومك لا يجيك ما أشوم”  و ” الكرسي يصنع صاحبه، إلخ…

          أقول هذا حتى لا نسارع إلى ما اعتاده المثقفون والحزبيون: “الشعب جاهل… الشعب ناقص وعي!”

          لا يا سادتي، فالشعب، حتى وإنْ لم يكن له وعي كاف، يتمتع بحس عال. والشعب لايتقلب مثل تكتيكات الأحزاب وأهواء الفيسبوكيين الذين عادوا بمناسبة نجاح مسيرة الفاتح من ماي، إلى القول: ” الشعب التونسي أعظم شعب!” بعد أن ألحق به بعضهم سيلا من الأوصاف الموسمية البائسة.

          هذه، على أية حال، صفة من صفات البورجوازية الصغيرة، كما وصفها ماركس ورفيقه انجلز: التذبذب، وهذه كلمة بالفصحى، وربما اللجوء إلى أكثر من ذلك في حالات اليأس المؤقت: السب والشتم، وربما- بل هو مؤكد: قلب حروف ” الذبذبة” ونطقها بالطريقة المصرية أو الشامية، حتى لا نوضح أكثر.

          ذلك ما فعلته الميليشيا أيضا.

          أين اختفت الميليشيا؟ ومن الذي لم يصفّر لها؟

          أين هي الكلمات المفاتيح التي باتت علكة أيامنا، وأولها “التجاذبات”! (” تجبد لي مريولي نجبدلك مريولك”، بلغة كرة القدم مادامت هي لغتنا الأوسع وثقافتنا الأشرس) وطبعا بعد المريول يمكن اقتلاع كل شي وصولا إلى اقتلاع الأحشاء

          بقيت ملاحظة تخص ” المنقالة”:  هل تحولت الساعة وموقعها إلى رمز تجاذب وافتكاك هي الأخرى، رغم ان زارعها كان ” صانع التغيير” وهل يكفي “امتطاؤها” لتحقيق انتصار لهذا الطرف أو ذاك؟ في اعتقادي أنها ساعة خالية من أي رمز…

1abu198.gif
1abu198.gif

أرض الذئب

محمد علي اليوسفي

إذا كان الماضي مشحونا بالأساطيل البحرية المعادية، فإن الحاضر يستقبل سفنًا، وطائرات طبعا، محمَّلةً  ببضائع لا بد من دفع ثمنها لصالح التفوق الحضاري الذي نستورد منتجاته جاهزةً، أو نصدّر له بعض قوانا على هيئة أيدٍ عاملة، وخبرات مهاجرة، وشموس متوسطية معروضة للبيع مع خدمات سياحية أخرى، مغرية.

وقد نحصل مقابل ذلك على ما يسدّ ثغرات اقتصادنا وثقافتنا واعتراف الآخر بنا، وفرحنا ” الحائر” إزاء ذلك الاعتراف.

لكننا نسكن لحظتنا بكل لهفة. وتحركنا مصالحنا، فنسلك أقرب السبل وأقصرها كي نُرضي لحظتنا ونتماثل قدر المستطاع مع غالبنا، في حين يبقى الجوهر، وهو نحن، قابلاً للارتداد في كل لحظة إلى ” أصوله” الغافية، تماماً مثل الذي يحصل على جنسية ثانية تيسّر شؤونه هنا، وتضمن مصالحه هناك. وهو في الحالين، ليس هنا ولا هناك، وليس هذا ولا ذاك. غير أن المراهنة على استثمار ضياعه قد تأتي من أبنائه وأحفاده عندما يتوصلون إلى نسيان أصولهم الغابرة، والاندماج في المكان الجديد، بطريقة أفضل من الأسلاف.

يغيب سؤال الهوية الثقافية ليعود أكثرحدّة في المغرب العربي، بينما يتكشّف الواقع عن ثنائية قديمة ازدادت رسوخا، رغم الوعود التي تبنّتْها حركات التحرّر، ثم الاستقلال.

كائن ثنائي الدماغ بامتياز هو المواطن المغاربي، حتى لا نقول “مشطور الدماغ”، لأن الثنائية قد تتضح بواسطة التمييز بين حدَّيْها، أو طرفيْها، وليس الخلط بينهما.

ويصعب الادعاء بأن اللغة الفرنسية، وبالتالي ثقافتها ومحمولاتها التاريخية والحضارية، تحتل ” المرتبة” الثانية دائما، بعد اللغة العربية. هي كذلك في الأعماق: أعماق العباد والبلاد. لكنها ليست كذلك في مناهج التعليم والمؤسسات الرسمية.

يلوح ذلك جليًّا أيضا في المجال الثقافي كما في وسائل الاعلام: تعايش اللغتين بدرجة متساوية تقريبا، مع تغلّب هذه أو تلك، في هذا القطاع أو ذاك: فالانتاج الثقافي ( في السينما والمسرح والفنون التشكيلية وتقنية نشر الكتب والجرائد والمجلات الخ…) يتم باللغتين في بلدان عربية أساسا. بل ثمة منابر تنفتح على خيار المساهمة بكلتا اللغتين، على حد سواء، وغالبًا ما يكون المنبر الفرنسي أكثر إغراء لأن دعمه أفضل، سواء بالتبني والوصاية أم بالدعم الإعلاني.

إنها ازدواجية لغوية باتت تتأسس على الاختيار أكثر مما تنطلق من إجادة اللغة الأم، والانفتاح، بعد ذلك، على لغة أو لغات أخرى.

ومن نتائج ذلك ما نلاحظه من ” عيّ” في الأداء اللغوي عند النخبة كما لدى القادة السياسيين.

ما ينبغي ملاحظته أيضا هو أن هذا الفرز قد أدى إلى إيجاد نخبتين، قد تختلف وسائلهما وإمكانياتهما، وتلتقي أهدافهما بهذه الدرجة أو تلك. أما على المستوى اليومي المباشر فيختلط هذا بذاك.

وفيما تخسر اللغة العربية، تغتني العامية…

لكن العامية لا تفعل ذلك انطلاقا من “أمها” ( الفصحى) بل انطلاقا من ” خالتها” ( الفرنسية) مع التشويه والتحريف، على غرار تصريف ” الفعل” العائد إلى اللغة الفرنسية، وفق قواعد الصرف في اللغة العربية. وهذا لا يشكل المثال الوحيد الممكن الذي يشدّ فيه المتنبي مثلا، شعر فولتير، والعكس بالعكس.

*

أزعم أن كل ذلك، وليس الدين وحده، لعب دورا في تشكيل ” الرؤى” التي تقدمت بها الحداثة إلى صناديق الاقتراع لتجد نفسها أمام صدمة الخسارة المزدوجة… ديناً ودنيا

1abu198.gif
1abu198.gif

“!من الشمال الغربي، حاشاك”

 

محمد علي اليوسفي

!إذا احتجت إلى شغالة بسعر زهيد عليك بعين دراهم

التونسي الذي كان يصف المتحدّر من الشمال الغربي بأنه “جبري” ومن جماعة 08 وقد يضيف: ” حاشا المحلّ!” إذا ذكر الجندوبي؛ هو نفسه التونسي الذي ركض هذه الأيام لمساعدة سكان الشمال الغربي في محنتهم الثلجية، معترفا بحقيقتين: جمال المنطقة وتهميشها مع ساكنيها!

فما الذي حدث؟ هل تغير المواطن التونسي؟ هل بدأ يتغير؟ أترى غيّرته الثورة أم بدأت تغيره سلسلة الكوارث؟

من ثقافة التونسي التي تكرست عبر عقود من الزمن أيضا، أن الجمال لا يمكن أن يكون إلا للتصدير! فقد استمعنا مرات عديدة إلى أن جمال تلك المنطقة يستوجب استثمارات سياحية! وليكن! أنا موافق! لكن هاتوا لنا بنية تحتية لسياحة داخلية هي الأبقى والأضمن. أما الثلج فهو ليس مراد السائح الأجنبي المستعد لبيعه وشحنه في البواخر لصحارى العرب.

سأتحدث هنا عن بعض معاناة الشمال الغربي، غير المادية. وأرجو ألا يفهم من هذا الكلام نعرة جهوية ما. فكل تونس لها شمالها الغربي. وكما لكل شمال جنوب، فإن لكل جنوب شماله، تماما كما أن لكل تونس صحراءها وقمحها وملحها وزيتونها.

بدأ الشمال الغربي استقلاله التونسي تحت مظلة ساحلية في العهدين الأول والثاني. أذكر أن نوابنا كانوا مستوردين، وأذكر أن أول معمل، هو معمل السكر بباجة، أحدث بلبلة في المدينة بسبب استيراد الأيدي العاملة من الساحل، وأذكر أن باجة ليس فيها من المثقفين إلا من سكت أو هاجر ( شخصيا تلافاني الشمال والشمال الغربي – مع بنزرت- أمنيا؟ باستثاء مرة يتيمة في باجة، بعد أن نُقل اللقاء من قاعة لا تفتح إلا لمثقفي الحزب أوللمتلونين حسب المرحلة، إلى مذبح كنيسة قديمة، وكان أجمل! فيما استدعيت إلى أغلب المدن التونسية) نعم أهم المباني هي تلك التي تركتها فرنسا.

ليست مشكلة الميز الجهوي ( على وزن الميز العنصري!) مقتصرة على ظلم السلطة واستبدادها فقط بل تحولت، وبفضل السلطة طبعا، إلى ثقافة جماهيرية تتغذى من السلطة وعيا شعوريا وتستذكر ثقافتها التمييزية بشكل لاواع. هذه أمثلة تشمل معظم فئات الشعب، ولا فرق بين مثقف ورئيس وبائع سمك:

حكايات في الدماغ

– اعتذرَ لي مدير تحرير صحيفة تونسية عريقة، من المفترض أنه صديق أيضا، عندما لعن الشمال الغربي وأهله، أمامي، وعندما ذكرته بأنني من هناك، من أرض الماء والقمح، أرض سلّته اليومية وحليب ابنه، سعى إلى رشوتي باستثنائي: يعني أراد الإساءة لي مرتين. الأخ مثقف!

– وهذا أخ تونسي غير مثقف كثيرا، إنه موظف في ديوانة المطار، عندما عرف أن زوجتي فلسطينية ، قال لها ما لقيتش ما تتوزج إلا من باجة؟

– وهذا سائق حافلة صغيرة ينقلني، مع مجموعة كتّاب عرب، من تونس العاصمة إلى ملتقى أدبي في المنستير، ولأنه ثرثار أكثر من حلاق، فقد تبرع بتثقيفهم سياحيا حول المناطق التونسية وما يميزها. سألني صديقي الكاتب السوري هامسا غامزا: “من أي منطقة أنت؟” قلت له: “من الشمال الغربي.” فسأله: “ما رأيك بالشمال الغربي؟” وهطلت ثقافة سائق ساحلي على الشمال الغربي بأقسى من ثلوج الرب، فيما الضيوف يقهقهون… لن أكمل الحكاية لأنها لاتخص مقالنا الآن. الأخ السائق غير مثقف إلا بالثقافة السائدة.

– في بنزرت؛ دخلت سوق السمك. فوجئت ببائع السمك يستخدم تعبير”حاشا المحل” متحدثا عن أهل جندوبة!

– في الفيسبوك، معركة بين شاعرين، أحدهما ذكّر الثاني بأنه من جندوبة… (البقية في الفيسبوك؛ اللهم انقذنا من ألسنة الشعراء!)

– من القهر أيضا ستجد في أعماق كل مواطن من الكاف، جزائريًّا مختبئا. وفي عدة مناسبات برهن بعض أهل الكاف على ذلك، ليس في مقابلات كرة القدم والتلويح بأعلام الجزائر فقط، وليس بسبب الثلج وحده.

– زين العابدين بن علي في زيارة إلى جندوبة يتفقد مكانا مجهزا بالحواسيب والإنترنت: ” آبببْ! اسمعْ يا سيدي! جندوبة وفيها انترنت!” هذه الجملة سمعتها شخصيا، وبأذنيَّ هاتين!

وأخيرا، أسألك أنت يا صديقي، يا من تقرأ هذه السطور: ألم يسبق لك أن فكرت بطريقة التمييز التونسية هذه؟ أنا شخصيا فعلت!

مقابل الظلم تشكّلَ نوع من ” الجبن” في المنطقة، فالخوف من السلطة المركزية أشد مما هو في الساحل وفي الجنوب؟ وحتى عندما تقاد بعض المشاريع من قبل محليين، فإن السيطرة تتم بأشخاص  يكونون الأكثر ولاء والأشد سقوطا والأكثر جبنا. ويكون هدفهم محاربة ابن الجهة أولا.

هذا الكلام ينطبق على نظرة التوانسة – سكان العاصمة- للساحل، ونظرة غير الصفاقسية لصفاقس؛ صفاقس العاصمة الثانية التي أنهكت طيلة عقود لتكف عن أن تكون عاصمة، وينطبق على الجنوب والوسط: إذن كل تونس كانت – ولا تزال – تعيد انتاج ثقافة التمييز الجهوي (على وزن التمييز العنصري) لتطيل عمر الاستبداد الذي كان يعي جيدا شعار: فرّقْ تسُدْ.

لكن، مهلا، مرة أخرى، هل هي سياسة فرق تسد وحدها؟ لمَ لا نعترف أنها سياسة التعصب لمنشأ السلطة التي فيما حاولت محاربة القبليّة والعروشية، أسست مجد قبيلتها: غلبة بني تغلب على حساب قوت بقية القبائل؟

في مناطق أخرى يتم تبادل الاتهامات والتنابز ثنائيا ربما، لكن الجميع يتفق ان الشمال الغربي مصدر “الجبورة والخادمات والمومسات والتخلف”؟ الخادمات والمومسات صنعهن الفقر أم الطبع؟ هات اقنع المواطن العادي والمثقف التونسي والمثقف التونسي الصغير أن لكل مكان تنوعه السكاني والأخلاقي!

… مازلت حين أعود من باجة، أشاهد مواسير الماء الاسمنتية ترافقني باتجاه العاصمة فيما تكون شاحنات البذور والفواكه والحيوانات المنذورة للمسالخ،  قد توزعت بحمولاتها نحو وجهات متعددة بينها العاصمة أيضا.

على لسان كل هؤلاء، ينطق الشمال الغربي “من جنبيْه ” ليقول: ” شكرا للثورة التونسية أولا، وشكرا للثلج التونسي ثانيا

 

1abu198.gif
1abu198.gif

تقديس الثورات

محمد علي اليوسفي

الوضع السياسي لم يستقر نهائيا بعد، ومازالت تشوبه ارتباكات البداية وحيرة الخطى الأولى على صعيد الممارسة هذه المرة، وليس مجرد المعارضة. فالمعارضة في هذا الجانب تعتبر ” سهلة” ما دامت تقوم على النقد والانتقاد، وتدفع الثمن فيما هي تفعل ذلك. غير أن الممارسة فاضحة للعيوب أكثر وكاشفة لزلات اللسان وعثرات الخطى، ولا تعرض صاحبها لإرباكات العمل العلني فحسب، بل تجعل صائديه يتحينون له الفرص، وناخبيه تضيق صدورهم طلبا لتنفيذ الوعود السابقة: اليوم، اليوم، وليس غدًا!.0

بكل هذه المواصفات نجد أنفسنا أمام نظرتين متناقضتين في التقدّم، ومتوافقتين في الموقف المتصل بتقديس الثورة. فهناك من يريد الحكم بما يمليه هذا التقديس للثورة بوصفه “حامل ” مشعلها وسائق سفينتها، ويجاريه في رفع الشعار نفسه عدد من المتقلبين والوصوليين الذين لا ينكفون يمجدون، ويباركون، ثورة بات معروفا أنها ” مجيدة” ومباركة”. وعلى الجانب الآخر يتحرك الذين صدموا بما آلت إليه الثورة من حيث النتائج والوعود بتحقيق الأهداف

وفي كل الأحوال يبقى السؤال المشروع هو كيف نقرّ بتقديس الثورة دون أن نضع المقدس في صنم قابل للعبادة: أي غير قابل للنقاش والتصويب والتوجيه. وكيف نجعلها في منأى عن المدخل السحري للمقدس: الركوع  والتماهي مع المعطى المطلق

مثل هذه الأسئلة التي تشق الشارع السياسي تجد أصداء لها في الإعلام والثقافة أيضا: ماذا نكتب عن الثورة؟ وكيف نكتب؟ وهل الثورة انجاز مقدس ينبغي التغريد له والاطناب في مدحه؟ بل يمكن تعميق السؤال أكثر من ذلك: هل ينبغي الكتابة بمواصفات ثورية حسب الطلب ووفق ما هو منتظر؟ أليس للثقافة إجمالا سجلّها الثوري الخاص، وقاموسها المتفرد، وخطابها المميّز؟ ومشكلة الإبداع في شتى المجالات أنه يعاني دائما من إلحاق السياسي له، لخدمته؛ وهاهي ذي الثورة تحلّ وكأنها تفتح الباب عريضا أمام السياسي كي يلحق المثقف مرة أخرى، ويجعله يصرخ بخطاب السياسي دون أن يبزّه ودون أن يسعى إلى تحقيق خطابه الخاص المميّز، ذاك.

لم يستفزني سؤال مثل سؤال المذيع أو الصحافي للكاتب: “ماذا كتبت للثورة؟” وهناك أسئلة أخرى أشد سطحية: ” لماذا لم تتسبب الثورة التونسية في كتابة روايات تضاهي الروايات العالمية؟” ! اليوم، اليوم، وليس غداً، مرة أخرى. والأدهى أن يتخذ الكاتب موقفا تبريريا ودفاعيا في هذه الحال

لا السلطة، ولا الأحزاب، ولا التمسح بمؤسسات الدولة كلها، بما فيها اتحادات الكتاب ووزارات الفنون والثقافة هي التي ستحقق ما يريده هذا المذيع، وما يتمناه هذا الكاتب. كل ما يمكنه أن يتحقق هو مزيد من إلحاق العملية الإبداعية بالسياسي كي تتحول إلى نفخ في بوق المقدس الجديد

أي كتابة وأي إبداع؟ وما المطلوب من الفنون الآن؟

لعل المطلوب هو عدم النظر إلى الثورة باعتبارها فعلا تحقق وعلى البلاد السلام، بل ينبغي النظر إليها باعتبارها تحققت سياسيا فقط. ولم تنزل ببركاتها على المشاركين في العملية الإبداعية إلا بمقدار نزولها على فئات الشعب المهمشة. والأعداء المتربصون من الزبانية والوصوليين، لا ينتمون إلى الماضي المقبور فقط بل هم عادة أول من يرفع شعارات المستقبل، ولعل بعضنا سيقابلهم في الجنة أيضا وقد تصدروا الصفوف الأمامية

كل ما أنجزته الثورة، بل كل ما تنجزه الثورات، هي أنها قد تزيل المتسبب ولا تزيل الأسباب. ولأن هذا الواقع متكرر عبر التاريخ، يفترض من العملية الابداعية ألا تكون ملحقة بالسلطان، لأنهما شقيان يتبادلان النظر في المرآة؛ فيكتسب كل طرف بعض صفات الطرف الثاني

قلت: زال المتسبب ولم تزل الأسباب؟ فلنتسلَّ على الأقل بالنظر إلى الثورة من الخلف لا من الأمام: أي النظر إلى الأسباب والإمعان في معايشتها ومواكبتها فنيّاً، وليس الركض أمام ما تحقق منها في قبضة السلطان. لا سيما وأن الركض إلى تقديس النتائج وتمجيدها ليس من عمل الفن الحقيقي، بل هو دور الفن المرحلي الذي يتحول إلى ضيف ثانوي يحمل بوقا ويضيف خطابا

نعم، على العملية الابداعية ألا تكون ملحقة بالسلطان، لأنهما شقيان يتبادلان النظر في المرآة؛ فيكتسب كل طرف صفات الطرف الثاني، فيما الواقع يعيد أسبابه أويستعيدها

1abu198.gif
1abu198.gif

سقراط يراقب “الأغورا” التونسية

محمد علي اليوسفي

:قال “سقراطس” لتلميذه “تونسيوس” الذي تقطّعت به السبل بين الحضارات والأفكار

– أنا قلت، سوف يأتي أُناس كثيرون بعدنا، يا “تونسيوس”، ويُمَكِّنُهم “اللُّوغوس” من اكتشاف أشياء أخرى أشدّ تعقيدًا من الحكْمة…

:عَلَّقَ تونسيوس

! حقًّا، يا لهم من أناس هؤلاء الذين جاؤوا –

:فصحَّح سقراطس

تقصد أولئك الذين سوف يجيئون-

أصَرَّ تونسيوس:

كلاَّ أتحدَّثُ إليكَ وأنا معهم، في بيتي، الآن-

– آه! تنهَّدَ سقراطس، لقد نسيتُ أنني ذهبْتُ، وأنتم الباقون الآن، فهل صارتْ لكم آلهة أخرى؟

 نَعَمْ، أجابه تونسيوس، فبعد أيام قليلة، يهلُّ ” بيرم” المسلمين. وبعد أسابيع، يحل عيد ميلاد السيد المسيح-

 وأنت؛ ما أخبارك هناك، يا تونسيوس؟-

… نحن في الشهر الحادي عشر بتوقيت “الأغورا” التونسية، قال تونسيوس. وكل الأفكار التي تجولتُ بها في هذه الأغورا لم تنفع يا عزيزي سقراطس…شعب جاهل… شعب بهيم-

 وهل مازال إبداء الرأي عندكم يتوقف على الأعيان، كما في أيامنا، يا تونسيوس؟-

:أجاب تونسيوس، راسماً برأسه دائرة في الهواء

 لا يا سيدي، كل الناس متساوون، حتى إن صوت فيلسوف يعادل صوت مربية أو بائع جلود-

 في هذه الحال لا يبقى من فارق إلا قوة التأثير بالعقل، قال سقراطس، مندهشا. فكيف أعملْتَ عقلك في الأغورا التونسية؟-

! يبدو أن كل ما قلتُه في المنابر، وأذعْته في الصناديق الناطقة، وصحتُ به في المرايا العاكسة التي حاولتُ في السابق تفسيرها لك، لم ينفع يا عزيزي سقراطس –

كيف؟-

! خذلتني العامة، يا عزيزي، حتى إني أمسيت أترحّم على أيامكم-

:حك سقراطس حاجبه ونظر إلى تلميذه تونسيوس مبتسما

 منذ أكثر من عشرة شهور وأنت تقول لي عن الذيموس التونسي إنه ” شعب عظيم”، حتى أيقظتني من سمواتي؛ اسمع يا تونسيوس، ألم تذهب إلى المبالغة أكثر عندما قلت لي: “هذا أعظم شعب على وجه الأرض صفق له مجلس أعيان أثينا جالسا” ؟

:ابتسم تونسيوس قائلاً

0 !لم أحك عن مجلس أعيان أثينا، بل عن أعيان الكونغرس الذين صفقوا واقفين –

:سأله سقراطس

 وما الكونغرس هذا؟-

!إنه مجلس أعيان آخر في أثينا أخرى جديدة، يا عزيزي سقراطس-

 وهل هو مجلس موافق عما يحدث في بلد آخر، بعيد عنه، حتى يصفق له؟-

قد يكون ذلك، لكني مفجوع من شعب جاهل-

أنت تناقض نفسك، يا تونسيوس-

…لا، معناها، أنا أفقت، معناها، من غيبوبتي، معناها، على حقيقة أخرى-

 والشعب؟ لعله فعل ما فعلت؟  فكيف تفعل مثله وتصنف نفسك في سلّم أعلى من البهائم؟ البهيمية عندك مزدوجة، يا تونسيوس، فكيف عساك تنحدر من سلالة بشر يراوحون بين البشر والبهائم في نظرك، وتظلّ بشريا؟-

… آ… آ…آ –

! اسمع يا تونسيوس: التسمية هي محاولة امتلاك، وأنت الآن تسمي شعبا بأكمله بهيما، والحال أنه أصبح “ذيموس” في زمانكم. هذا التناقض يؤكد أنك تعاني من أزمة هضم لتطور اللوغوس-

! كلا، لكننا نخشى الشعبوية-

في هذه الحال، هل تستطيع العودة إلى أحكام أثينا؟-

! لا يمكن-

 إذن، عليك أن تشغل اللوغوس يا عزيزي تونسيوس-

 بأي طريقة يا ترى؟-

ما دمتم قد أعلنتم المساواة، فإن الكثرة ستكون تلك المستبعدة من ساحات أثينا: الشباب والنساء والغرباء والفقراء والأهواء-

 وذلك هو ما حدث، يا سيدي-

– الجمهور هو الذي يشكل القلب السياسي والاقتصادي لمدينة الذيموس، حيث يتجمع المواطنون في ساحة “الأغورا” لممارسة السلطة بشكل مباشر.

– وكيف يجتمع كل الجمهور، وأعدادنا لم تعد مثل أعداكم؟

 – إذا لم يجتمع الجمهور كله معك، ومع رفاقك، فعليكم أن تجتمعوا كلكم معه.

سوف نرى كيف سنتمكن من ذلك يا معلّمي-

عليك أن تصحو مرة أخرى من غيبوبتك وسوف تجد نفسك أمام حقيقة أخرى؛ فالبشريّ لا يتحول إلى بهيم إلا في الكهف الذي تتراءى لك فيه أشباح اللوغوس فتجعلك تسقط في فخ تناقض جديد-

*

:شخَصَ تونسيوس بعينيه، ثم طأطأ رأسه مفكرأ دون أن ينظر إلى سقراطس. فالتقط سقراطس أطراف عباءته وقال مودعا تلميذه تونسيوس

 تحدثنا اليوم عن خطأ جمع الشعب بصيغة المفرد، وتحويله إلى بهيمة؛ وغدا سوف نتناول تسلّط فكرة الفرد، لمواجهة الكثرة، وخطورة الكثرة على الفكرة المتسلطة وغير المقنعة بالجدل، وكيف أن القوة لا تصنع العدل، كما أُشيعَ في أثينا التي دفعت بي إلى تجرّع الكأس

1abu198.gif
1abu198.gif

      كان يومًا تاريخياً يا “مارولاّ “، وتلاه “حمَّامْ عرْبي” !0


محمد علي اليوسفي

:بكّرْتُ. شربت قهوة في المطبخ. أبصرت طيف أبي؛ كان وراءه صف من الأجداد. كتبتُ قبل خروجي

 قمت باكرا هذا الصباح؛ لأحمل معي كل أجدادي الذين لم يروا بصيص حرية، منذ أيام إيالة تونس المحروسة… ولأنني “صرتُ” مقتنعاً بأن الموتى ” صاروا” لا ينتخبون، سوف آمرهم بالوقوف، هنا وهناك، يتفرّجون، بانتظام، وبلا ضجيج، على العتبات… “0

…في الطريق كان الناس بشوشين. انتابني شعور خفي بأننا في أيام تشبه الأيام الأولى للثورة

في الباب جنديان، ” بالمناصفة”، نعم: جندية جميلة متألقة، مع حمرة خفيفة على الشفتين، ونظارات شمسية، وقرطين يتلألآن تحت أشعة الصباح. ( لم تتحمل زوجتي وابنتي كتمان السر؛ ذهبتا إليها وأخبرتاها بغزلي “المدني” فابتسمت جنديتي الجميلة مبتهجة!)0

الحضور خفيف. إنها السابعة صباحا… مع نسبة أعلى للذكور. النساء اللواتي لا شك أنهن يُنهين شؤون البيت، سرعان ما تدفقن ليطلن صفوفهن. نعم صفوفهنّ: لأنني فوجئت لأول مرة في تونس، بفرز النساء عن الرجال. لكنْ مهلاً: بما أننا مازلنا في تونس؛ صفوف الرجال تتخللها نساء! وأكثر من ذلك: صفوف النساء فيها بعض الرجال ( حيلة للانتهاء بسرعة خصوصا وأن عدد النساء أقل) لم يغير أحد موقعه رغم احتجاج بعض” الفحول الأشاوس”!0

كان المسنّون أول القادمين! لذلك كانت الحركة بطيئة جدا: انتظرنا الحاجّة نصف المبصرة في سفساريها، وانتظرنا الشيخ مرتبكا بين جبته وعكازه… قلتُ: هؤلاء جاؤوا لوصل ما انفصل مع أسلافنا الذين راحوا غير مصدقين مجيء مثل هذا اليوم. وبعد ذلك ظلت الأولوية تُعطى للمسنين والحوامل والمعاقين. بعض العائلات اصطحبن أبناءهنّ ” حتى يتنفسوا الحرية” منذ الآن. كثيرون كرروا: ” هذه أول مرة في حياتي…”0

كان هناك كهل “دون جواني” أنيق، يرفع صوته مستفزا صفّ النساء: ” النساء سبب خراب البلاد، دائما يردن الذّهب والفيلات واللوكس…” ولم يُحظَ بأيّ ردّ – منغّص الفرحة المندسّ!0

امرأة في منتصف الصف سألت: يعيّشكم! هذا الصف مخصص لانتخاب أي حزب؟

جاءت امرأة أخرى وقالت إنها ختمت مربعا بالصدفة بواسطة إصبعها المصبوغ، كما في مركز الشرطة

زوجتي ماري، الفلسطينية التونسية، جاءتها جارتها وقالت لها: ” أنا سأنتخب المؤتمر؛ أكيد أنت ستنتخبين النهضة!” ضحكنا ولم نعرف كيف توصلت إلى هذا الاستنتاج؟

ابنتي دانية قالتْ: “وقفتُ مع صف النساء وبجانبنا صف الرجال، وصوتتُ للحزب الذي لن يفرق بين الجنسين”. وأضافت: ” أحد أصدقائي خرج متأففا، وقال بحثت في القائمة عن اسم حزب ” المؤتمر” الذي نويت التصويت له، ولم أجده، قلقت، فدّيت، وانتخبت حزبا آخر”0

ابني أُنسِي في أبو ظبي يتابع النتائج الأولية التي بدأت تتسرب عبر العالم ويبدي قلقه… حاولت إقناعه بأنها حرب نفسية، كما أوضح لنا “القائد الأعلى” للانتخابات. لكنه أصرّ أن يقنعني بأنها الحقيقة. عندها تذكّرتُ أن تونس تبدو واضحة أكثر من الخارج. هكذا تعلمت خلال عقود هجرتي، قبل أن أعود وأغطس في الطنجرة!0

صديقي علي مصباح كتب لي من ألمانيا يقول: “والله صحة ليك. كنت أتمنى لو أنني رافقتك ثم مررنا على سوق أريانة وتناولنا فطيرة وقهوة حليب وقعدنا في ذلك المقهى نستمع إلى أحاديث الناس وجدالاتهم. أكيد أن أجواءه اليوم رائعة”!0

وقّعتُ وأدخلت إصبعي في الحبر الأزرق، حتى الظفر. لكن المشرف طلب أكثر! فأغرقته! اخترت الذين مازلت أرى الشهداء في عيونهم، والذين لا أريد منهم ربحا شخصيا، أنا عاشق الخسارات التي تدفع بالدفء إلى الروح، في الشرق كما في الغرب. لماذا لم أكشف اختياري؟

لأننا ذات دورة انتخابية في جزيرة قبرص، كنا عربًا مثل الكلاب السائبة التي تتفرج على شعب فرح جذلان ينتخب. شعب من بعض مآثره الـ ” الذيموس كراتوس” ( الديمقراطية). ولما سألتُ جارتَنا “مارولاَّ”  التي تؤجّرنا البيت: ” مَن اخترتِ يا مارولاَّ ؟”  أجابتني مبتسمة: “لا أرى من الضروري أن تعرف، يا عزيزي…”0

…ما تبقّى:  لم يفارقني حتى الآن،  دوارٌ خفيف، سكْرٌ حلال

:أفضل من ” الدوش”…. الحمَّام

.الشباب “المائع”، فاجأهم بثورة. والشعب “الجائع” ناداهم إلى أبجدية أخرى

“.ثاني أجمل حدث بعد “الإصبع الزرقاء” هذا “الحمّام العرْبي

نكتة جحا القديمة المتجددة ( وليس المقصود منها الإضحاك، فهي معروفة جدا، بل لقراءة واقع حال الحداثة واليسار) سُئل جحا:” أين يوجد مركز العالم يا جحا؟”  فأجاب: “حيث أقف أنا وحماري”0

*

هيا نقّصوا لنا من المنظّرين، والمحللين، وفطاحل المذيعين ” بتاع كلّو”، وأبطال السياسة، والمرشَّحين المتأتئين، على شاشة التلفزة. وهاتوا لنا الآن، مَنْ يفهم، أو على الأقلّ من يؤمن بـ” النقد الذاتي بعد الهزيمة “. 0

1abu198.gif
1abu198.gif

الحقيقة على العتبة

أو دليل المناضل إلى معرفة أنه على حق

محمد علي اليوسفي

 بعيدًا عن المناورات الواضحة أو الخفيّة؛ عندما تخرج جموع إلى الشارع وتصرخ: “أعتقني!” فمعنى ذلك أن هناك شيئا ما خطأ، فما من رقبة مستعبدة حتى تطلب من يعتقها… إلا إذا أراد البعض استباق كوابيسهم

وعندما تخرج جموع إلى الشارع وتصرخ: الموت للعلمانية! فمعنى ذلك أن هناك شيئا ما خطأ، فما من دليل على أن بعض الصارخين في الشوارع يمثلون عزيمة شعب بأكمله

بين تونس اليعقوبية  وتونس الوهابية، قد تكون الحقيقة على العتبة

فلا نحن باريس، ولا نحن الرياض

ولأن الحقيقة ماوراء (البيرينيه) خطأ ما بعدها، حسب  باسكال، فإنّ الحقيقة، بين تونس”السمحة” في بذخها، وتونس الغارقة في عرقها؛ قد تكون على العتبة

*

يقول شاعر نوبل لهذا العام، السويدي توماس ترانسترومر، في مقابلة صحفية أجريتْ معه في نيويورك عام 1979 ليتحدث في المعنى ذاته تقريبا: “أكتبُ دائماً على خط الحدود – الحد الفاصل بين العالم الداخلي والعالم الخارجي، أسّمي ذلك “حاجز الحقيقة” لأنها النقطة الفاصلة ذاتها التي تمكّننا من امتلاك الحقيقة

وهذا الشاعر جسّدَ هذه الفكرة في واحد من أجمل مقاطعه الشعرية

حقيقتان تقتربان من بعضهما بعضاً

واحدة قادمة من الداخل

وأخرى قادمة من الخارج

وحيث تجتمعان

يتسنّى للمرء أن يرى نفسَهُ

 (من قصيدة  “مقدِّمات موسيقية)    

*

وانطلاقا من نقطة اللقاء تلك، تستطيع أن تجد الآخر. يقول في قصيدة ” جواب على رسالة

الزمن ليس خطًّا مستقيماً

إنه أقرب إلى المتاهة

ولو اتكأ المرء على مكان

مناسب من الجدار

يستطيع أن يسمع الخطوات

المسرعة  والأصوات، يستطيع أن

يسمع نفسه تمرّ من هناك على

الجانب الآخر

*

:من الجانب الآخر لجدار توماس ترانسترومر، إلى الجانب الآخر من حيطان الفيسبوك، نجدهم أيضا

علي مصباح: غريب أمر بلادي: بدأنا ثورتنا بـ “ديقاج” (ارحلْ)، كي نجد أنفسنا في مرحلة “اعتقني” (أو بالتونسي: سيّبني يرحم بوك!)0

أمل الجربي: صدّقني يا علي، أضحت حربا خفيّة بين شباب المناطق الشعبيّة الذين، إزاء تجاهل الجميع لهم ولظروفهم المزرية، انساقوا وراء أقلّيّة تدّعي أنّها تملك مفاتيح الجنّة، وشباب أوفر حظّا منحتهم وضعيّتهم المريحة الفرصة ليدافعوا عن مبادئ لا جوع فيها. وهم الّذين كانوا بالأمس يناضلون من أجل القضيّة ذاتها٠

  مروان بلو: ” قريت أبشع النعوت التافهة في وصف الجماهير الماتسمى “بالمتخلفة” إلّي هبطت نهار الجمعة ( قرودة، جرذان، خماج… وهات ماك اللاوي الحقير اللاواعي) من طرف الجماهير الجميلة، المتعطرة، حسنة الملبس، رطبة الملمس، حلوة المذاق التي لم تقدر إلا على شعار باهت “أعتقني” يوحي برداءة الطرح ويعكس وزن من رفعوه وتبعيتهم لما تمليه عليهم القريحة الانتهازية المتعاظمة من حيث الخوف (…) لم أقرأ إلا ما خفّ وزنه من كلمة “حرية”… حرية بلا قانون عادل يحفظ الكرامة والعيش الكريم للجميع ليست إلا اضطهاد للبعض… حرية بلا تقسيم عادل للمعرفة والثروة كمال بن علي المجمد في بنوك سويسرا و حكومة ليست لها نية في استرجاعه… إذاً اعتبركم سلفيين أيضاً على اعتبار لاوعيكم المساند لكل تزوير للانتخابات في حال فوز ما يسمى بالنهضة التي لم تستفق من سبات طرحها القذر بعد…” 0

*

رائد الدبس: ” يستفيد تيار الفوضى السلفية كثيراً من نقاش سلفي لائكي آخر متطرف مثله، ينطلق من فكر إقصائي لا يرغب بمشاركة كل التيارات الدينية في العملية الديمقراطية. ولا يخفى على أحد أن الردود بين هذيْن التطرفيْن تتخذ طابع المناكفة الشعاراتية وحملات التشهير. فردّاً على الشعار السلفي الخالي من المضمون السياسي: الإسلام هو الحل، والقرآن هو دستورنا، يرد المتطرفون اللائكيون بأن اللائكية هي الحل وهي الدستور، دون أن يبذلوا جهداً يترجم للناس مفهوم اللائكية وأهدافها. وفي الواقع، فإن الحل والدستور الجديد، ستتم صياغتهما بمشاركة كل الفاعلين الحقيقيين الناشطين في الحقل السياسي، وبنتيجة عملية التفاوض الشاملة التي ستخرج بعقد اجتماعي جديد ناظم لحياة الدولة والمجتمع.0

*

مهما ” تفرعن” السلفيون والعلمانيون؛ لا نحن يعاقبة ولا نحن وهابيون، نحن أبناء سيدي بوزيد، والمرسى، وحاجب العيون

1abu198.gif
1abu198.gif

الأصولية المتبادلة بين الدينيّ والعقلانيّ

محمد علي اليوسفي

تبدو تونس هذه الأيام مختبرًا حقيقياً، ليس للديمقراطية فحسب، بل لحرب كسب المواقع في ساحة الديمقراطية. تبدو مختبراً، أو قلْ حقل تجارب، ليس لأهلها فقط، بل للعالم أيضا. وإلا من أين كل هذه الدرجة من انعدام الثقة، والاتهامات المتبادلة بالمال السياسي غير المشروع (وهو حقيقة، لكنها موضوع تبرير دائما) من دول الخليج كما من دول ما وراء المتوسط وما وراء المحيط.؟

حقيقة المختبر تظهر في منتهى العراء الفاضح: فكل طرف يدّعي أن له الحقيقة المطلقة، وهو حر في السعي إليها من دون أن يزعجه الطرف المنافس، ثم يأتي  تصريح من هنا، و”بالون اختبار” من هناك، لتتضح لعبة حرب المواقع، ومحاولة كسب المزيد من أرض الخصم. فيما تُمنح الجوائز “هناك” لما حُورِبَ “هنا”، ويأتي تصريح مفاجئ ليدافع عن قناة تلفزيونية في حين يغيب مثل هذا التصريح، عندما يشتد القمع وفعل التشذيب العنيف والممنهج للثورة؟

آخر بالون اختبار، وفي تجربة متكررة على أية حال، كان يتعلق بحرية التعبير. ليتبيّن أن الجميع مع حرية التعبير، مع وجود -” لكن”- استدراكية لا بد منها. وسوف يذهب الخصم إلى أقاصي مطالبه فيما يقف له الطرف الثاني بالمرصاد. حينها تتكاثر الحجج والاستشهادات. أين تنتهي حريتي وأين تبدأ حريتك؟ غير أن حلول المقدَّس موضوعا للجدل يزيد الوضع تأزما. الأصولي الديني في مواجهة الأصولي العقلاني ( ولمَ لا؟)0

من البديهي، في مقارعة الحجة بالحجة، أن يذهب الديني إلى السلف الصالح وإلى النصوص المقدسة، فيما يركض الأصولي العقلاني إلى الاستشهاد بمضطهدي العقلانية العرب، وإلى التجارب الأوروبية التي نضجت هناك ولم تنضج هنا إلا في رؤوس النخبة. وهو إذا أراد المقارنة بتجارب قريبة، من المنطقة الشرق أوسطية مثلا، يقع في مطبات لها أول وليس لها آخر: هكذا استمعنا إلى حجج من باب المقارنة التي لا تستقيم، فالشيعة لا يرون مانعا في ” التجسيد” بخلاف السنّة. ومن باب : لماذا لم يُحدث ذلك الشريط السينمائي ضجة لما عُرض أول مرة؟ هنا يتم السكوت عن بقية ظروف العرض الأول، وتاريخه، وهذا أمر في منتهى الأهمية، والفوارق بين عرض باللغة الفرنسية، في قاعة سينما مغلقة، وخلال مهرجان لا يحضره إلا مغرمون ومتابعون  بالمئات مثلا، وبين عرض مدبلج، ليس إلى العربية فقط بل وإلى الدارجة أيضا، فيدخل كل البيوت بلا استئذان لتشاهده الملايين. وحتى إذا لاح السلفيون يتصدرون الواجهة، ينتقل التساؤل إلى جدوى استفزاز بقية الشعب؟ هل ستخلق منهم سلفيين أو أتباع سلفيين؟

نتحدث عن حرية ” الإبداع”، لكننا نخلط بين “الابتداع” الاستفزازي الأخرق والتكفير الأجوف،  نهيّئ للرداءة، ولشهرة  “المبتدع” الرديء، كما راجت في المشرق العربي، باسم الاضطهاد والتكفير.0

يذهب العقل في أصوليته إلى اعتبار” الآخر” هو درسنا الأمثل في حرية التعبير، متناسيًا ما قطعه “الآخر” من أشواط حضارية، ومتناسيا أن لحرية التعبير، كما في الاقتصاد، حدودًا عندما تتعلق بالخصم. ولْنسأل هنا عن حرية التعبير في فرنسا مثلا، متى تنطلق على حصان جامح وتربّي نخبنا، ومتى تتوقف عاصفة بنخبها وبنخبنا: مراجعة المحرقة النازية مثلا.0

أحيانا تسمع أن كل الغزاة الذين مروا بالبلاد، إما ارتحلوا أو أنهم ذابوا وتم استيعابهم! ( أي لا حاجة إلى تعقيد ما يبحث عنه الخصم: الهوية)  لكن ماذا يقول الأمازيغي في هذه الحال، وهو الأصل الذي صار أقلية؟ وأين ذهب الشيعة الفاطميون؟ ولماذا نتكلم الفرانكوآراب؟

أما عندما تطرح في السياق نفسه، مسألة الهوية فيبدأ الهجوم من هذا الطرف، ويبدأ رد الفعل المتوجّس من الخصم، فيما يتناسى الطرفان أن الحل منهجيّ بحت: يكفي التفريق بين الهوية والانتماء لتحل المشكلة. لكن من أين للمذيعين والصحفيين والسياسيين أن يتعمّقوا في مثل هذه الأفكار وهم قادة المرحلة وعرسانها حاليا!0

يقول الشاعر محمود درويش، في نصه ” أنت منذ الآن غيرك! ” ( وقد كتب تحديدًا إثر الصدامات بين “فتح” و”حماس”) : ” لا يغيظني الأصوليون، فهم مؤمنون على طريقتهم الخاصة. ولكن، يغيظني أنصارهم العلمانيون، وأَنصارهم الملحدون الذين لا يؤمنون إلاّ بدين وحيد: صورهم في التلفزيون!”0

1abu198.gif
1abu198.gif

” أفكار خريف “

محمد علي اليوسفي

.الشاعر:  هو شخص لا تعرفه عندما تسمعه، وتراه إذا سكت

.الدولة:  هي فكرة تتحقق، لكنها تحمل في بنيانها فكرة يمكن أن تنسفها

الناطق الرسمي:  ربان السفينة الحقيقي، يظل يصيح حتى آخر لحظة، بعد قفز الجرذان واختفاء الربان

الثورة: طريقة لتقشير السُّلْطة مثل بصْـلة؛ تؤدِّي البداية بقشرتها الأولى إلى بلوغ نهايتها… خوائها

السياسي:  مثل ” الطيّاب” أو “المدلّك”. حمّامُهُ السياسة طبعا. يخدمك، مدركًا أن وسخك متجدد

السياسة:  كان المرحوم والدي يقول لكل من يرتكب حماقات، بمن فيهم أنا: ” يزّي ( يكفي) من البوليتيك” وأنا ببراءة كنت أظنه يخلط بين أمرين متباعدين: الخداع والسياسة. أما آخر شخص قرأت له، فيُدعى آشيل تورنييه، وقد نبهني في  كتابه ” أفكار خريف” ( ونحن في الخريف طبعًا) إلى ما قاله أبي : ” السياسة هي المهنة الوحيدة التي لا تتطلب تدريبا، ولا شك أن ذلك يعود إلى كون أخطائها يتحملها آخرون غير الذين ارتكبوها”

الحلاق:  بعض الحلاقين لا يثرثرون مع زبائن لا يعرفونهم. لكن الثورة أعادت الثقة للسان الحلاق

 .سائق التاكسي:  هو أيضا حلاق، لكنه متنقل

حارس الباركنغ: شخص وسيط يبيعك الأمان في مكان غير آمن… مثل الكبار تمامًا

الطبيب: آلة عاقلة تتغير حسب الاختصاص؛ حاملها يحمل القليل من العاطفة والكثير من العقل

.المذيع: لا يذيع سرًّا، أبدًا

…المذيع 2: هو دائما سيتصل بك ليزوّدك بتسجيل وبموعد البث، ولا يمكن أن يفي بالوعد… أما المذيعة فأحيانا تفعل

التلفزة:  صنارة كهرباء لا تصطاد في الماء ( حسب الفاتورة) أما إذا زارتك في بيتك فتسرق ماءا وكهرباء، وأنت تضحك لها

.الجار:  قد لا يشاهدك وقد لا تشاهده، لكنه يتصدر سلسلة الشهود

موظف الشباك:  تخيل نفسك تكلّم كل شخص يعترضك في الطريق وأنت لا تعرفه! كم شخصا سترى في منامك؟

…الشرطي:  يلمع في الليل

…المطار:  عش إجباري لطيور لا تبني

…باعة الأسواق الشعبية: ( عندنا تحديدًا): ” يا مرَا يا مرَا…” هو نداء بشع… لكنه لا يشكو إلا من براءة الربح

*

0!القذف: غيّرنا كلمة قذذذذذف الكرة بالــ “تسديد”، بناء على توصية من اتحاد مذيعي الكوارجية العرب

:الانتصاب:  ولم نغيّر تعبير ” الانتصاب” الفوضوي، لأنه يحتاج إلى

  التحسيس:  يا ترى من الذي يصنع اللغة العربية في تونس؟

السخرية:  من مآثر المرحوم بورقيبة أنه نصحنا في أحد خطاباته بأن نكفّ عن استخدام تعبير” يتمنيك عليَّ!” “بمعنى ” يستهزئ بي”. وبرّر ذلك حرفيا على ما أذكر: ” لأن الكلمة مشتقة من “التنييك”. جريدة العمل، آنذاك، نشرت الخطاب كاملا، ووضعت الكلمة بين قوسين كما فعلتُ أنا الآن. لأني، شخصيا، طبقت اقتراح بورقيبة… في هذه النصيحة على الأقل!0

الرجولية: حتى الفتاة عندنا صارت تقول لك:” برجولية…” لتعبّر عما هو حقيقي وجاد، فهل قيل لها إن الحقيقة لا تأتي إلا من الرجال؟

*

الدموع:  دموع الرجل جدول ينشج تحت الأرض. دموع المرأة شجرة تنفض أغصانها

الحق:  الحق: كل حقّ لك هو ظلمٌ يحرسه آخرون.

*

خاتمة

.أنا:  لم تعرفني لأنك سمعتني. سأسكت الآن كي تراني

  

1abu198.gif
1abu198.gif

بالون السياسيّ وإبرة المثقف

محمد علي اليوسفي

في غياب أو تغييب المثقف التونسي عن الجدل الدائر حول الأوضاع الراهنة يبدو الذنب راجعًا إلى التعامل مع ” فن اللحظة”. هكذا يبرز المحامي… والرياضيّ أيضا، الأول لقدرته على إدارة الدفة الآنيّة بجوانبها القانونية المستعجلة، والثاني باعتباره محْمَلا سهلا ربما يجر وراءه جمهورا واسعا. أما السياسي المحترف فهو أبو الجميع والناطق باسم الجميع، كما يمكن له أن يسوّق نفسه في هذه اللحظة التاريخية.0

هناك صراع دائم بين الثقافيّ والسياسيّ، والصفتان لا تعودان هنا إلى شخصين بل إلى مجالين. السياسيّ هو مجال اللحظة وحاضن التكتيك والمراوغة. أما الثقافيّ، وخصوصا بالنسبة للنصوص الإبداعية، فهو يتوزع على لحظة تشده إلى اتجاهين: الواقع المحتدم والرؤية الفنية التي تتطلب الرويّة، لتكون النتيجة معبرة عن تراجيديا الذات الممزّقة بين وظيفة فنية شاملة، وأخرى سياسية عاجلة

لكن المثقف يقترب من السياسي في غياب الانخراط الفعلي في حركة الشعب. وعندما يتفاجأ بالحدث، يجعل العملية الإبداعية (أو حتى حركة فكره) تتوقف عن سياق تجربة متصلة فنيا (أو مترابطة فكريا) نحو ما يشكل قطيعة معها، من أجل مجاراة الواقع، ومراعاة الحدث، في ما يشبه تطويع الواقع للفكرة وليس العكس.0

ويقترب الثقافي من السياسي في استجابة أقرب ما تكون إلى رد فعل على احتكار الوعي الجماهيري من قبل السياسة – أو السلطة أيضا.0

وبالمقابل لا يكون هم السياسي سوى استيعاب الثقافيّ سواء كان السياسي، في هذا السياق، حزبا أم سلطة. إن المثقف لا يحتاج عادة إلى الموالاة. غير أن متطلبات العيش قد تجعل منه شخصا مهادنا إذا لم يتحول إلى متسول. فهل تكفي الاتحادات والملتقيات والندوات لصهر ما لا ينصهر، ولخلق ديناميكية ثقافية تؤسس للمستقبل؟

يُروى عن الكاتب جان جينيه، لما زار بيروت في الثمانينات، أن أحد مضيفيه اقترح عليه، بعد زيارة مخيّميْ  صبرا وشاتيلا، أن يزور اتحاد الكتاب الفلسطينيين، فأجابه جان جينيه مستغربا: ” ولماذا اتّحدَ الكتّاب يا ترى؟

ذلك أن مأسسة الفكر هي أول خطوة لقيادته وفق الحاجة والاحتياج المتبادل.0

هل من دور المثقف أن ينتمي إلى حزب؟

إن دوره مزدوج في هذه الحال: ينبغي أن ننظر إليه كمواطن ذي دور محدد (مع وظيفة يتلقّى مقابلها راتبا) من جهة، وهو بصفته مواطنا يكون حرا في أي عمل سياسي، ويمكن أن يرفض ذلك أيضا. أما بصفته مثقفا أو مبدعا، فإن الوضع يتطلب منه نظرة مختلفة لما يجري، نظرة متيقّظة وناقدة حتى لا يكتفي بالتأييد والمباركة والنفخ في بوق الدعاية، كما هي رغبات الأحزاب عادة.0

انتماء الكاتب لغير وظيفة الكتابة يجعل وضعه حساسا؛ فهل ينتمي إلى حزب أم لا؟ وإذا انتمى إلى حزب؛  هل يكون مستقلا عن آراء حزبه أم يكون بوقا له؟

تجربتي الشخصية تجعلني، في هذه الحال، أفضل أن أكون صديقا لحزب ما ( وأنا لست كذلك حتى الآن ) على أن أكون منخرطا فيه، وذلك لضمان استقلالية الرأي من جهة، وعدم الخضوع لإملاءات الحزب من جهة أخرى

المعركة بين السياسي والثقافي معركة لم تحسم عندنا بعد. والخطأ يتحمله الطرفان؛ فالمثقف ” يجاري” و”يطمع”. والمثقف ليس على سوية واحدة من حيث الكفاءة، وما ترفضه أنت سوف يرضى به غيرك في غياب المعايير، والسياسي همه ” الاستيعاب” الإيديولوجي والإعلامي

على مستوى اللقاءات والاستقراء والمراقبة، نلاحظ هذه الأيام تحولات ليست خفية دائما في أساليب بعض الكتاب والشعراء الذين انتموا لأحزاب أو نطقوا باسم الثورة: عين على الحزب ( وبالتالي على أعدائه!) وعين على الشعب

وبالمناسبة، أغلب السياسيين أميون في مجالات الإبداع. ويعيشون ازدواجية مهولة بين حملهم أفكارًا مستقبلية على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مقابل استسلام للذوق السائد فنيا وأدبيا، لأنهم بالأساس يتعاملون مع الثقافة كما تتعامل معها الصحف: فسحة بين كمّ سياسيّ وسيْل رياضي

أما إذا تداخلت اللغات، والمقصود بالتداخل هنا، هو بين العربية والفرنسية، فإن معظم السياسيين المتخرجين من عباءة فولتير، لا يفرقون بين نص كتبه الشنفرى ونص كتبه شاعر معاصر، إلا بكمية “الاهتزاز” الذي يولده النص

ما ينقص الثقافة في بلادنا هو الرؤية الإستراتيجية حقا.0

1abu198.gif
1abu198.gif

صورة التونسي المقلوبة

محمد علي اليوسفي

(1)

صورة التونسي في مرآة سلطته

تفنّنت السلطات المتعاقبة عندنا في رسم صورة مزدوجة للتونسي: فهو الأفضل من غيره، لأن السلطة أنجبته ورعرعته وعلمته وثقفته ( مجانا) وسيكون ناكرًا  للجميل إذا جحد ذلك، ولا ينبغي أن يشعر بأي نقص في مواجهة الآخر( الخارج) بهذه الحقيقة، من جهة، لكن عليه بالمقابل، ألا يوظف هذه ” المكتسبات” لانتقاد أولياء نعمته.

وهو الوفيّ الذي يحب وطنه، كما هو، لا كما ينبغي أن يكون. خصوصا وأن الآخرين، عندما نغربل آراءهم وننتقي ما يلائمنا منها، نجدهم يباركون دائما ما نحن عليه. هكذا شقّ  بنا بورقيبة  عواصف سنوات ما بعد منتصف القرن الماضي، واستبق الذي جاء بعده “غلاسنوست” الرفاق السوفييت رافعا شعار الشفافية، كما استقرأ انقلابَه زبانيتُه من المنظرين المتهافتين.

نعم، التونسي ذكي أيضا، لكنه لا ينضج أبدأ: ليس جديرا بالديمقراطية لأنها ستخلق الفوضى وتمزق أزرار “الهيبة”، وتقوّض حاجتنا إلى ” أب” موجّه، يفكر في مصالحنا وفي نضجنا الذي لا يجيء.

والتونسي لا يرى إلا ما هو قريب منه، وإذا ما رآه عليه ألا ينشره أو يتحدث عنه لمن هو بعيد. لأنه يفتقر إلى الرؤية الصحيحة عن بعد، لذلك توجد كاميرات لتصوير كل ما هو بعيد ونشره ليراه الجميع: الفرح والياسمين، الشطوط الممتدة من الحمامات إلى سوسة، والتي نضيف إليها ” أقطابا” فاشلة هنا وهناك، في الصحراء أو في طبرقة، لتطويق القلوب المحرومة بين شعابها وجبالها، والغارقة بين الشواطئ والرمال. وحتى لا تبقى تلك الأرواح الهائمة محرومة، فالحلم مباح: عليها أن تحلم بزيارة تلك الأماكن التي يصدّرها الإعلام ليلَ نهار…

لا فرق بين تونسي وتونسي في الخطاب. لكن ليس من حق امرأة عجوز في الجنوب، اتصل بها مذيع ذات عيد لتحدثه عن طقوس العيد المحليّة، أن تقول له: ” كما تعرف، نحن سكان الجنوب أهل كرم”  فيرد عليها مسرعا، خوفا من زرع الفتنة: “كل التوانسة أهل كرم”… حتى الكرم ينبغي أن يعمّم!

لا نعتزم سرد الصفات كلها الآن. يكفي أن التعامل مع هذه الصورة تمّ وكأنها اكتملت منذ عقود، إلى درجة أن منظري السلطة وجدوا أنفسهم يبحثون لها عن إطار: لابد من تعريف الشخصية التونسية! ما شخصية التونسي؟ وحبّروا مقالات وألّفوا كتبًا، وأجابوا بكل ما عندهم من تعريفات،  إلا التعريف الذي يريده التونسي حقًّا: مواطن حرّ، له رأي حر، في وطن حر، يوفّر له العيش الكريم.

(2) 

 صورة التونسي في مرآته

لا ينبغي التعميم في الحديث عن الجماعة كما لو كانت نموذجا واحدا. ومع ذلك حفّتْ بالتونسي صفات كثيرة مكتسبة، تفاقمت بعد الاستقلال لتزداد ضراوتها منذ العقد الماضي. وربما كانت المحصلة غير جديرة بالتباهي دائما. لكن التونسي ذو شخصية متباهية حقا: ومع ذلك صار، في قرارة نفسه، يحب البعيد ويكره القريب. هو ضحية، نعم. لقد بات يشبه كائنات في قفص. تضجّ وتتصارع وتتبادل النهش. فتكره القفص وصانعيه وساكنيه لأنها تعرف أن الحرية توجد في مكان آخر

وهو الذكي بأنواع  شتى من الذكاء لعل أسوأها الطريقة الفهلوية في ” تدبير الراسْ”  ولو على حساب غيره، لأن بين فئات كثيرة من ” الغير” يوجد مضطهدوه وقامعوه وجلادوه. فلماذا لا يضطهد غيره، هو الآخر؟ لتمتدّ اللعنة المتبادلة، متضمّنة الاحتقار والضغينة والعنف والرشوة والمحسوبية… والسلسلة تطول

التونسي ليس بريئا، أو لنقلْ: لقد كان ضحية، وإلا كيف ابتدع كلمة “جبري” التي توحي بالتخلف، ليصف شقيقه؟ وكيف تبنّى ساخرًا تقسيمات الزيرو ويت (08) و الـ ” ك. جي. ب ” ( اختزالا لمدن الكاف وجندوبة  وباجة)؟ وغيرها من التقسيمات. وكيف يغادر المدن التي لا تعجبه ساخرا منها أو مفتخرا بمدينته الأنظف والأجمل والأغنى: لقد وقع في الفخ وصدّق سياسة سلطته التي قسمت الثروة بعدلٍ أُسْكِتَ عنه الشهود وقاده فرض النفوذ. والنعرة التي تأسست بين سكّان الجهات ليست مجرد صراع طبقيّ بالتأكيد، وإن تضمّنتْه أيضا

فقط، خلال العنفوان الذي واكب الأيام الأولى للثورة عرفنا ذلك. أما أيّ ترهّل أتى بعدها، أو ينوي أن يأتي بعدها أكثر، فهو لن يعمل سوى على تكريس المكرّس لزمن قد يطول

1abu198.gif
1abu198.gif

أيها التونسي الآخر: أنا لا أثق بك

محمد علي اليوسفي

الثقة لا تُعْطَى؛ الثقة تُكتَسَب.

*

سارت بنا الأحداث إلى منطقة مختلفة بعد مرحلة التضامن والتآزر عشية اندلاع الثورة؛ وهذه المنطقة التي نتحرك فيها الآن يمكن أن نطلق عليها عنوان “انعدام الثقة”. لا أحد يثق بالآخر إذا لم يوافقه الرأي، ولا أحد يثق بما يقوله حزب آخر غير حزبه. وبسبب التناقض بين نقاء الثورة ومكر الفكرة خصوصا إذا ارتبطت بالدولة، لا أحد يثق بالحكومة. ويمكن أن نضيف بأن الحكومة تعمل ممثلة لشعب لا يثق بها، لكنها لا تثق به هي أيضا. حكومة تفضّل ممارسة الاستعلاء لتكون حكومة سامية، منطلقة من ثقافة الهيبة، ومن مصدر الضغط الأقوى، ومن منابت الحكم القديم، ومن هناك تأتي تصوراتها للحكم سواء جاءت من إملاءات الماضي أم من ضرورات الحاضر.

*

الوحيد الذي لا يكذب هو الشعب الفقير، بل إن صدقه الساذج قد يجعله يمتطي أحيانًا حافلات المعونات والمناورات، والذي لا يكذب هو المجتمع المدني أيضا، هو شباب الثورة الذي اكتسب قوة الرأي دون أن يتخلى عن قوة التغيير الكامنة. نقاط  ضعفه هي نقاط قوة الآخرين: المناورة أو المهادنة، التعالي أو التواضع وقت الحاجة، النفاق أو الكياسة، وهي من أهم الصفات التي تميّز محترفي السياسة.

*

هنا تغدو ” محاكمة النوايا” هي سيدة الموقف. خصوصا إذا لم تخترْ الوضوح والتواصل والشفافية، وإذا لم تختر لغتك أيضا: اللغة هي أم النوايا وابنتها. وهي، على خلاف ما يظن الكثيرون، ليست مجرد وعاء، ليست مجرد وسيلة للقول، لا عند اليساري الموغل في روح ماركس وانجلز، ولا عند اليميني المتشبع بلغة السلف الصالح. اللغة هي الفكر. ولا حاجة إلى التذكير بأن لغة الطفل المحدودة يعادلها تطور فكري محدود ينتظر المستقبل تراكميا وينتظر البيئة الغارسة والساقية نوعيًّا.

*

انعدام الثقة يولّد مسوخا؛ يولد القلق أيضا ويولّد الخوف. لكنه لن يصل، في حالتنا، إلى توليد اليأس. ذلك أن انعدام الثقة ليس شرًّا كله. هو منارة الحارس الغافي بعين واحدة؛ وإلا صرنا بصدد درس أخلاقي يدعو إلى ضرورة الثقة والتآخي والتصالح من أجل زرع ثقة عمياء، لن تولّد إلا مسوخًا هذه المرّة.

*

أنا مثلك: أكره القديم، كان سلطانا جائرًا، لكنني لا أثق بالجديد. أتعرف لماذا؟ لأنك مؤمن، ولأنني مقتنع، بأن هناك من يُلدغ من جحر مرتين. والإيمان وحده لا يصنع المعجزات دائما، وخصوصا إذا نامت العين الثانية لحارس الفنار.

أنت مثلي: تخشى السياسيين لأن هناك السياسي الذي يستطيع أن يوقّع لك عقد تأجير بيت في الجنة، وهناك السياسي الذي يستطيع أن يبيعك دبا في الغابة.

ولعلّ الأهم، من إيماني ومن قناعتك، في انعدام الثقة بيننا: أنّ لاشيء سار كما اشتهت مراكبنا، مراكبنا التي انطلقت في الشتاء لتصنع الربيع، وأمام عتوّ الموج واستيقاظ “كبارنا” وانتباه الأساطيل وتصفيق من وصلتهم أخبارنا وراء البحار، جاءتنا المؤن والمساعدات والخبرات والنصائح، وتمكن بعضنا من محركات زادت في سرعة المخر والإبحار، والحال أن مراكبنا كانت شراعية في البداية، تحلم بدمها دافعا للأشرعة، وبزنودها العارية  مولّدة  للرياح المواتية.

أنت مثلي وأنا مثلك: مازلنا نؤمن بأن البحار تزخر بقراصنتها الجدد وإنْ أحاطوا بنا بأزياء أحدث وأجد. ولم نكن قد هيأنا قباطنة بحار، وذلك لطول ما خذلنا كل ريّس جرَّنا من مدننا وجبالنا وسهولنا، وعيْناه على الحاضرة: مملكة تونس المحروسة التي هي قرن الثور في نهاية المطاف، ومن أمسك بالقرن ظنّ أنه روّض الثور. لكن للثور عضلات… موزّعة على امتداد الجسم.

*

بين وبينك، ماضيك وحاضرك، بيني وبينك ارتباكي وزلات لساني، استنفارك وتباهيك، صمتي عن حركات خفية، أحسستَ بها عندي، ولم ترها رؤية العين. ومع ذلك، كنتُ لا أثق بك، لكنني جالستك وحاورتك، فخفّ حقدي عليك، وتضاءل خوفي منك. ألمْ أقل لك إن التواصل، إذا سبق محاكمة النوايا، جدير بقتل المسوخ؟

عدتُ من لقائنا، حذرًا منك، وأحبك قليلا. وفي وحدتي، قبل المصارحة والكلام، كنت لا أحبك حتى لا أقول: كنت أكرهك. وأعرف الآن أننا مختلفان. ذلك أن الدنيا منازل وطبقات ومصالح وتضحيات، مكاسب ومثاليات، صراع غاب تلطفه الحضارة وتلبسه الثقافة قفازات من حرير. وأنا أيضا أحلم بالحرير. وأريد أن أفهم طريقة الوصول إليه بلا يدين ملطختين، كما اتهمتك في الماضي، وكما قد أتهمك لاحقًا…

صرتَ قريبا، لكنك صرت في متناول العين واليد أيضا، وأنا مثلك بريء حتى يثبت العكس: لن ننتظر العكس ولن نتحاكم انطلاقا من النوايا. كنتُ أريد الحديث عن الثقة فوجدت الحديث عن الثقة كامنًا في انعدام الثقة: ليكن الشك هو طريق اليقين لا الثقة العمياء، ذلك أن الثقة لا تُعْطَى، تماما كما بدأنا؛ الثقة تُكتَسَب.

1abu198.gif
1abu198.gif

أقفال تونس السبعة

محمد علي اليوسفي

ما إن تنطق باسم تونس حتى يعيده إليك الآخرون مع بريق في العيون. كأنما هي زهرة لا تكشف عن بتلاتها ولا عن أريجها. فالاسم وحده لا يُشبع ولا يروي، لأن بريقها في العيون لا يخلو من تساؤل ودهشة. تونس بلد “منفتح”… والكثيرون لا يعرفون عنه الشيء الكثير إلا ما جمعت شتاته المصادفات والذاكرة.

كان ذلك منذ عقود حين كانت تونس منعزلة إراديًّا عن سياقها العربي في المشرق على وجه الخصوص. وحتى عندما حاولتُ السفر إلى المشرق، آنذاك، عبر البوابة الليبية كآخر نقطة في المغرب العربي، كانت كل سفارة ترفض جواز السفر التونسي، ابتداء من رد مصر، ثم لبنان: “كيف تريد السفر إلى بلادنا، وبلادكم لا تعترف بنا؟ “

كنت أعود لأنغلق على يأسي، أنا القادم من بلد موصد دون الشرق، معتقدا في البداية أن ما كتب على جواز السفر التونسي غير ذي أهمية: “يسمح به للسفر إلى أوروبا وبلدان المغرب العربي فقط”. وحدها الدول ذات الإيديولوجيا القومية سوف تستقبلنا من دون اعتراف آبائنا بخروجنا للنزهة أو الدراسة: سورية والعراق!

وهناك سوف يسألك الكثيرون عن تفاصيل مضحكة حول تونس التي يجهلون. ولعلي نسيت كل تلك الأسئلة إلا سؤال عجوز في ريف درعا كانت أمام خيمتها وبعض دجاجاتها ومعزاتها: يا ابني؛ هل عندكم مثل هذا الدجاج والماعز في تونس؟

وهل لنا غير الماعز؛ عدوّ الشعب التونسي رقم واحد حتى قبل شعار العدو الامبريالي آنذاك، بحسب الزعيم بورقيبة؟

أما اليوم فقد سالت مياه كثيرة، بل دماء كثيرة، بين سيدي بوزيد ودرعا، بين تونس ودمشق. وسبقت ذلك عقود من الانفتاح التدريجي الذي لم يؤسس لأي علاقة استراتيجية جادة باستثاء اجتماعات ” اللجنة العليا المشتركة” التي اشترطت ذات دورة – ومن الجانب التونسي- مصادرة كتاب ” صديقنا الجنرال بن علي” بعد أن نشرت دار سورية ترجمته العربية ووزع في الأسواق، وإلا فلا اجتماع! فتمت المصادرة. وكالعادة ارتفعت مبيعات الكتاب بسبب المنع!

كان السفر إلى الشرق جريمة في تونس ذات الأقفال، وها هوذا يكاد يشكل تهمة في الاتجاه المعاكس؛ فالجنسية التونسية باتت مثارا للريبة خصوصا في البلدان التي لاحت مُقْدِمة على مصير يشبه مصيرها: هبّة الشعب.

كان السؤال الذي يتردد حول تونس هو ذلك الصيت الذي لا يصل منه شيء إلى دول الــ ” هناك” إلا بالقطّارة: مسرحية من هنا، وأغنية من هناك، بينما تسير العلاقات بكل أريحية باتجاه دول الغرب التي علّمنا بورقيبة ألا نقارن أنفسنا إلا بها، ولاحقا سوف يقولون لنا غداة انتفاضة الخبز: الخبز في تونس أرخص منه في إيطاليا!

غير أن تونس ذات الأقفال كانت كذلك حتى مع دول المغرب العربي؛ ومازالت كذلك عندما يتعلق الأمر بالتبادل الثقافي، إلى درجة أن ما ينشر في ليبيا أو الجزائر والمغرب بات يلوح أصعب منالاً مما يصدر في بيروت.

تونس التي كانت تخشى مطبوعات الشرق، غير الخليجية طبعا، كانت تتحسب لجرائد تعتبرها مصدراً للفتنة والانقسامات وبلابل الثورات. لكنّ الذين عملوا على إغلاق تلك “الطاقة” ساهموا من حيث لا يدرون في فتح بوابة تعصف منها الزوابع!

ولا يعني ذلك أننا تخلصنا من عقلية الانغلاق الحذر: ما من مطبوعة تونسية استطاعت أن تغادر حدودها المحلية لتصير صوت تونس لدى العرب وصوت العرب في تونس. وفي عصر صارت الثقافة تتكلم فيه لغة العالم؛ هل يمكن التحدث عن مجلة ثقافية لا تنشر إلا للتونسيين، وجريدة تونسية لا تنشر إلا للهامش التونسي المبتذل مع تطعيمه بمقالات النسخ واللصق من المنابر العربية؟ ذلك ما تجاوزته بيروت عاصمة الثقافة الفعلية وليست الثقافة المهرجانية التي تتبناها اليونسكو فتفرخ بثقافة الهيمنة السلطوية دائما.

ويسألونك: من المفترض أن تلعب تونس دورا أهم من دور بيروت لقربها من أوروبا! فأبحث عن صيغة للإجابة الشافية؛ لكن من أين لها انفتاح بيروت، تونسنا ذات الأقفال السبعة التي صممها بورقيبة وصدّأها خليفته؟

فهل نبدأ بالحديث عن بداية سقوط الأقنعة وانكسار الأقفال؟

الإجابة أتت بها، بل قلْ: ستأتي بها المرحلة الأعمق من الثورة المرتبكة حتى الآن؛ مرحلة السؤال الثقافي الجاد الذي لم يُطرح في تونس حتى اليوم، وما زال يصعب حتى على العقول الخارجة حديثا من صدإ أقفال الماضي، أن تتعمق في السؤال متخلّصةً مما يتركه الصدأ في تلافيف الفكر وشغاف الروح

Top ↑ Haut ↑ فوق

يبدو أننا بخير

محمد علي اليوسفي

نعم يبدو أننا بخير

بهذلوا شهداءنا وعائلات شهدائنا؟

مامن مشكلة؛ لقد تركوهم كي تحتفل بهم الأجيال القادمة

*

ساوَمونا على جَرْحانا من أول يوم، ووزّعوا بعضهم على مضافات دولية وعلى محطات بنزين؟

مامن مشكلة؛ سنردّ عليهم بأعراسنا وأفراحنا وليالينا الملاح

*

خذلتنا الحداثة محتفية بنفسها في مرآتها ومستقوية على ضعفها بمكياجها وصرخاتها، صرخات الأنين الليلية، بلا معتصم لها إلا المنابر الدولية؟

مامن مشكلة؛ سنحضر عروض مهرجان قرطاج، ونجامل الفن القديم القادم في إهاب مطربين مشعوذين قادرين على تحيتنا باسم الثورة وإضافة صفة الكرامة إلى شعبنا العظيم، الحساس، الذواق

*

حاصَروا الفنون الاستفزازية التي طلعت بقرون الثور لتعاين مزاج الوحش، وتختبر جوعه الذي مر بمرحلة الشبع المؤقت؟

مامن مشكلة؛ سنتخلّى مؤقتا عن رسم التماثيل والنساء الجميلات، ونخرج في هيئات تماثيل متحركة تتعرى على شواطئنا الفارغة من رسوم دالي وميرو ومودلياني

*

جعلونا ننتخب ذقوننا لنضحك عليها؟

ما من مشكلة؛ ذقن مضحكة تفقد وقارها بسبب ضحكاتنا، وترينا أسنانها الصفراء وقصرها ومطبخها، أفضل من ذقن محلوقة تستبد بنا عقودا من الزمن، ولا ترينا إلا حركات الدمية التي تخفي عللا في اللسان ومرضا في العقل. ولا تنسوا أننا ربحنا أصابع زرقاء

*

لا سيدة أولى لنا، حتى الآن؟

مامن مشكلة، سنشتري واحدة يتلهى بها أطفالنا

*

أخفوا عنا سلفيّينا الجميلين الجريئين المفاجئين الطالعين علينا تحت ضوء القمر؟

مامن مشكلة؛ لن نكون مثاليين لنقول: ” وجود الأشياء كونها مُدْرَكة ” بل سنبقى نؤكد”: حتى الأشياء غير الموجودة يمكنها أن تكون مدركة

*

فتحوا الحدود للساخرين من فتحها خليجيا والذين قالوا: “طامعين في فلوسنا”، وللجزائريين الذين اعتادوا لطم البايات بحملات الدايات منذ القرون العثمانية العلية؟

مامن مشكلة؛ حتى ولو استثنوا ليبيا، وأعلنوا الصحراء منطقة عسكرية، سوف نعيش الإثارة والتوتر والأكشن من بنات آوى المتسللة من شمال مالي “ومال الناس” عبر جزائرنا الحبيبة

*

بغدادي ليبي؛ أخطأنا تسليمه إلى بغداد؟

مامن مشكلة؛ فقد سلمه الحاكمون الفعليون، وأسرع المعارضون المغرضون إلى الحديث عن ضربه وتعذيبه وقتله، ليخرج علينا بالصوت والصورة ويقول لنا: ” أنا حيّ أرزق

!”

*

مشاكل أخرى في البنك، والإعلام، والطرقات، وحقوق الإنسان؟

ما من مشكلة؛ كل شيء عندنا يغلق ثم يفتح، يخطئ ثم يتراجع، يظهر ثم يختفي مثل المذكورين أعلاه

(سلفيينا الجميلين الجريئين المفاجئين الطالعين علينا تحت ضوء القمر)

*

لا تنزعجوا كثيرا؛ لماذا تتصرفون وكأنكم قرأتم “صحراء التتار” للإيطالي دينو بوتزاتي، أو قصيدة اليوناني الاسكندراني قسطنطين كفافيس، متسائلين معه في الخاتمة: “والآن ماذا سنفعل من دون برابرة؟ ”

سنظل نكرر: ” إنهم قادمون

لا لشيء إلا لكي نبرهن أننا بخير

وكل ما تبقى لهفة وتسرّع وضيق صدر وتأتأة ديمقراطية و… حسد أيضا

صدقوني نحن بخير

One thought on “My articles مقالاتي

  1. Pingback: New ما الجديد؟ « Mohamed Ali Yousfi محمد علي اليوسفي

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s