Interviews مقابلات


akhbartheme_logo

محمد علي اليوسفي: حافة الأرض

***

ScreenShot001

النهار الكويتية

*

محمد علي اليوسفي: تأثرت بمخطوط تركه جدي

شريف صالح
_

في ذاكرة الكتاب والمبدعين لحظات لا تمحى، وذكريات لا تنسى.. مشاعر وأحاسيس ترتبط بالأشياء الأولى وحكايات الصبا وأحلام الطفولة. وهنا محاولة للاقتراب منها في زاوية أول.
ومعنا اليوم الكاتب والمترجم محمد علي اليوسفي.. فماذا يقول عن أول الأشياء والذكريات والأحلام والكتب؟
كلمة علقت في وجدانك وروحك؟
عين زبير اسم ضيعة الطفولة، ملاذنا من المدينة ومن أشهر الدراسة، تسلّق الأشجار المثمرة وإزعاج الطيور المعشّشة، ركوب الخيل ومعانقة الريح…
شخص في حياتك تأثرت به وغير مسيرتك؟
والدي؛ عاش حياة صعبة، لكنها كانت غنية ومتنوعة في عذاباتها المكافحة. تأثرت به، لكنني لا أدري إنْ كان قد غيّر مسيرتي. ربما فعل ذلك بشكل غير مباشر، بطريقة وراثية، حمّلتْني مسؤولية صدقه وصراحته. وخساراته أيضا.
شخصية شهيرة اعتبرتها مثلك الأعلى؟
أحببت شخصيات كثيرة، لكنها لم تشكل مثلاً أعلى لي.
كتاب ترك بصمة؟
كتب كثيرة فعلت ذلك، لكن مخطوطة لجدّي من القرن الثامن عشر، تركت من التأثير ما لم تتركه بقية الكتب كما أعتقد. الكتاب هو تاريخ المشرع الملكي والمؤلف هو محمد الصغير بن يوسف.
شيء اشتريته بمالك الخاص؟
مكتبة، كان خشبها ومساميرها وبلور واجهاتها مني، ونجارتها من أبي. رحل أبي. وظلت المكتبة بلا واجهة بلورية، بعد ان توارثها الإخوة، ولم يتركوا فيها إلا كتب مراهقتنا الثقافية والسياسية.
قصة حب عشتها؟
من تحت الشرفة، لطفلة واحدة، بالاشتراك مع صديقي.
صديق؟
هو، زميل المراهقة في قصة حب الشرفة. ترك الدراسة مبكرا. اشتغل وموّل سهراتنا، ومنها سهراتنا السينمائية مثلا.
هدية أو جائزة أو شهادة تقدير؟
كتب كلها، كانت كتباً كلها… مكافأة على التفوق المدرسي.
فيلم أو مسلسل أو مسرحية نالت إعجابك؟
أول فيلم شاهدته في حياتي مدافع نفارون. وهو مقتبس من رواية للكاتب الأسكتلندي أليستر ماكلين، تدور أحداثها في اليونان خلال الحرب العالمية الثانية. مع مجموعة من الجنود الإنكليز الذين يسعون لاختراق خطوط الدفاع الألمانية في جزيرة يونانية تسمى نفارون تقع قبالة الساحل التركي، وتتمركز عليها مدفعية ضخمة تهدد سفن الحلفاء التي تحاول الاقتراب. يشبه اسم الجزيرة اسم البلدة الإغريقية. نفارون، غير أنها جزيرة خيالية ليس لها وجود في الواقع…
مدينة سافرت إليها؟
أول مدينة؟ يعني، بالضرورة، في تونس؟ إذن فقد تكون تونس نفسها.
حلم حققته؟
كوابيس الواقع، والأمر الواقع!

***

جريدة عكاظ | آخر الأخبار المحلية والعالمية
  • السبت 14/09/1435 هـ
  • 12 يوليو 2014 م
  • العدد : 4773
سيرة الكاتب.. الشاعر والمترجم التونسي محمد علي اليوسفي:

الكتابة رائعة ومهلكة في عالمنا

الكتابة تقنية واستراتيجية للتعبير. تحاط عمليتها بتاريخ من القراءة وطموح جامح من طرف الكتاب للاستقلال عن تأثيرها. جينيالوجيا الكتابة عوالم من الكلمات والأسرار، من التجلي والإضمار. وفي إطار تدوين تاريخ الكتابة وسيرة الكاتب. اقتربنا من مجموعة من الأدباء والأديبات، ففتحوا لنا قلوبهم في هذه الحوارات الشيقة.

محمد علي اليوسفي أحد هؤلاء الأدباء فإلى نص الحوار:

• ما هو نصك الأول المنشور؟ وكيف تنظر إليه الآن؟

– إذا كان مجرد نص فقد نسيت عنوانه؛ أما ما أتذكره فهو أول كتاب. لا شك أن أول نص كان قصيدة. لأنني أتذكر اقتنائي للصحيفة التي نشرتها، وسيري بين الأشجار لقراءتها خلسة! لماذا خلسة؟ لست أدري؛ ربما لفرح، يشوبه بعض الخجل
.
• ما هو المنبر الأول الذي نشرت به وكيف كان إحساسك؟
– ملحق ثقافي لجريدة العمل التونسية. طبعا مع فرح البدايات
.
• ما هو الكتاب الذي حفزك على الكتابة؟
– كتب كثيرة طبعا. قصص الأطفال ثم السير الشعبية بالدرجة الأولى.

• ما هو الكتاب الذي تمنيت كتابته؟

– الأمير الصغير، لسانت إكزوبري.

• من هو الكاتب الذي يتجول في عروق كتابتك؟

– كثيرون، منهم جدي (صاحب مخطوطة تعود إلى القرن الثامن عشر).

• ما هو الكتاب الأول الذي نشرته؟

– حافة الأرض، مجموعتي الشعرية الأولى، عن دار الكلمة في بيروت.

• ما هي ظروف النشر التي رافقته؟

– انتظار قاتل، قال لي الناشر بعده مبتسما: «لم أسرع بنشره لأنك لم تحرجني كثيرا»!.

• ماذا تكتب الآن؟

– أكتب شعرا ورواية.

• هل تفرض على كتابتك نوعا من الطقوس؟

– يكفي التخلص من الكسل.

• ما هو المكان الذي تحب أن تكتب فيه؟

– بيتي.

• ما هو تعريفك للكتابة؟

– أعرفها من خارجها فقط.. رائعة ومهلكة في عالمنا.

• وهل لها جدوى الآن؟

– ربما جدوى التأبين لذواتنا.

• هل حقا الأدب في خطر؟

– لا أظن.

• ماذا علينا أن نفعل من أجله؟

– نتركه يقاوم إن استطاع.

• هل تحب أن توجه تحية شكر لشخص ساعدك في مشوارك الأدبي؟

– القليل جدا من أساتذتي يرحمهم الله.

• هل لديك أمنية أدبية تحلم بتحقيقها؟

– لا أتمنى: لكي أظل سعيدا.

*** محمد علي اليوسفي، من مواليد مدينة باجة التونسية في 3 مارس 1950. درس المرحلتين الابتدائية والثانوية بتونس، ثم سافر إلى الشرق العربي، حيث أتم دراسته الجامعية في جامعة دمشق، وتخرج في قسم الفلسفة والعلوم الاجتماعية. مارس الترجمة والكتابة والصحافة الثقافية في أبرز الصحف والمجلات السورية واللبنانية والفلسطينية. له أعمال متميزة في الشعر والرواية والترجمة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة عكاظ للصحافة والنشر ©
جدة: 6760000

al arab-logo

محمد علي اليوسفي: أنحاز إلى ربيع فيروز

مبدعون يتحدثون عن الكتابة وأدوارها في زمن ‘الربيع العربي”

العرب أوس داوود يعقوب [نُشر في 19/12/2013، العدد:9414

عندما قررت الإجابة عن السؤال، قلت أجيب على وقع أغنية ” كتبنا وما كتبنا” لفيروز؛ فيروز التي يدعوها بعض “الثائرين” العرب الـ “مزنوقين” إلى مواكبة ثوراتهم المدعوة زورًا بــ “الربيع العربي”. وكانوا قد طالبوها قبل ذلك أن تتجند مع الحركة الوطنية اللبنانية ضد قوى اليمين، فاعتصمت بربيعها المحلِّق فوق تناقضات المؤقت والآنيّ كما يفعل كل فن عظيم دون أن يتخلى عن انخراطه الإنساني

نعم كتبت لأقول إن النصف الفارغ من الكأس هو الذي يجعلني أكتب. بدأت بقلم يعزف خارج سرب الراكضين الجدد نحو المنافع المتجددة. كتبت عن العقليات العفنة التي تدّعي تحطيم اليومي وتجديده باسم المستقبل فيما هي تأخذنا نحو ماض قريب وآخر سلفي. كتبت في جريدة “ثائرة” (الأفضل أن أقول: مثيرة”!) ومعارِضة كانت أشد فتكا من القديم المتأسس على ضلالة، ربما لأنها تنتمي إلى القوى السياسية الجديدة التي تشبه ذئابًا جائعة في موكب ضباع متخمة بالفضلات القديمة والجديدة. هذا الكلام يشبه الحديث عن يمين ويسار، عن حكم ومعارضة، وطبولهما هنا وهناك

لماذا أكتب؟ لأني، في هياج الصارخين والملتحقين بمناصب “الربيع″ الأخرق المتجددة، يجب أن أكتب. كل الصارخين عن الأهداف الموؤودة يعرفون أنها باتت أبعد. لكن هذا البعد يمكن أن يعيد ترتيب الأوراق والمناصب والمكافآت، حتى وإن كانت تقتصر على سهولة سبّ الرئيس، أو سهولة إنشاء كشك جديد أينما أمكن ليحل محل عربة الخضار أو عربة الثقافة. أكتب لأن العواء صار ممكنًا. لأن النباح… حتى في هذا، سوف يسبقونني، بل لقد سبقوني… وفيما أقول لك أنني أنبح… يكون أحدهم قد سبقني وألف كتابًا عنوانه “كلب بن كلب” ليكون من أكثر الكتب مبيعًا في معرض كتابنا الشاحب

أما لمن أكتب، فأجيبك أنني أكتب الآن، لك أنت أولاً، لأنك سألتني هذا السؤال. وأكتب لمن سيقرأ تحقيقك في جريدة “العرب” .. ثانياً. أما ما كتبته وما قد أكتبه خارج سياق هذا السؤال، فهو لي أولاً، ولمن يريد، أو يستطيع،أن يقرأ ثانيًا

***

bayanealyaoume

الكاتب التونسي محمد علي اليوسفي

الشعر يتميز بسرعة التفاعل مع الحدث وفي ذلك مكسبه ومقتله أيضا ‎

حاورته: * منى وفيق

بدءا أتم دراسته الجامعية في جامعة دمشق وتخرج في  قسم الفلسفة والعلوم الاجتماعية قبل أن يكمل الدراسات العليا في الاختصاص ذاته بالجامعة اللبنانية خلال الحرب الأهلية.
وفي الأثناء مارس الترجمة والكتابة والصحافة الثقافية في أبرز الصحف والمجلات السورية  واللبنانية والفلسطينية.
ثم عاد إلى تونس ليستقر بها بعد عشرين عاما أمضى ثمانية منها في جزيرة قبرص.
إننا طبعا بصدد تعريف التونسي  محمد علي اليوسفي واحد من أبرز المترجمين والكتاب في العالم العربي ، راكم 32 اصدارا متنوعا بين الترجمة والرواية والشعر وأدب الرحلة  والنقد والدراسات والسينما.

> ترجمتَ إلى العربية كتبا عديدة في الأدب والنقد والفلسفة والدين والسيرة والسينما والرحلات ، كما أن لك إصدارات مهمة كمبدع . كيف تحقق هذا التوازن بين المترجم والمبدع ؟
< هي مسألة توافر رغبة ووقت. لست مرتبطا بوظيفة أو مؤسسة. وفي هذا الجانب، يمكن اعتبار الترجمة، وكذلك الكتابات الصحفية، في أحد وجوهها، مصدر رزق بالنسبة لي. وقتي كله ملكي. بعد عودتي من المشرق العربي، وبعد استدعاءات واستجوابات كثيرة، وجدت نفسي تحت المراقبة في تونس، كانت مراقبة صامتة لأنني لم أختر المعارضة أو المواجهة. كما كانت قاطعة لكل تطلع في استعادة انتماء وطني معياره الولاء وابتزاز الهتاف والمناشدات. والمسألة هنا ليست مقتصرة على السلطة وحدها، حتى لا نهرع بسكين إلى بقرة نصف مذبوحة الآن، بل تشمل من سوف يشكلون في الواجهة الجديدة دمى متحركة ترتدي لكل وقت لبوسه.
‎لا أعتقد أن هناك تناقضا بين الترجمة والكتابة، بل هناك تكامل. الترجمة فسحة لمطالعة مكثفة أو متعددة، فهي تحول دون الكتابة الشخصية في إبانها، نعم، لكن الكتابة ليست ابنة الوقت كله، أي أنها لا تملأ كل انشغالاتنا. وباستثناء الجانب التقني في الترجمة ( نقل لغة مؤلف آخر، وقاموس آخر، وصياغة أخرى…) فهي تشكل مطالعة مركزة أو عدة قراءات لكتاب واحد. وتمكّن المترجم من معايشة لحظة الكتابة لدى المؤلف الأصلي ومعاشرة أسلوبه عن كثب.

 أغلب كتبك صادرة عن دور نشر مشرقية ،  لماذا على الكاتب المغاربي أن ينجح أولا في المشرق ليحقق هذا التواجد المكثف في المغرب العربي ، هل نتحدث عن عقدة « المشرقي» هنا؟
كلا، في حالتي، لم يتم الأمر كذلك. صادف أنني ذهبت لمتابعة الدراسة في دمشق منذ السبعينات، ولم أفضّل العودة بعد ذلك إلى تونس، خوفا من إدقاعها الذي خبرته سابقا ( الآن يعودون إلى بورقيبة نكاية بوريثه!)، ومن هناك بدأ مشروعي الكتابي والترجمي يتوسع مقارنة بتونس،  ليتواصل في بيروت وغيرها. لقد اكتشفت أنّ بُعد المواطن عن سلطة بلاده، حتى باستبدالها بسلطة أخرى أسوأ، فيه راحة أكثر، ربما على حساب المواطن الأصلي، ولو إلى حين. فالعرب قد يكونون قساة في أشياء كثيرة إلا في الضيافة، بأنواعها طبعًا!
وبالمناسبة، بعد عودتي إلى تونس منذ بداية التسعينات، لم أنشر إلا كتابا واحدا في الترجمة ضمن سلسلة أعلنت إفلاسها بسرعة، ورواية لي بعنوان « شمس القراميد» نالت جائزة، ولم يشفع  ذلك كي يجعلني أواصل النشر في تونس، بسبب خوَر الناشرين عندنا، فعدت إلى النشر في سورية ولبنان.

 تقول أن نشر الشعر أصعب من نشر الرواية، وسنضيف أن نشر المجاميع القصصية أصعب وأصعب، هل تتوقع أن يصبح الشعر مهمشا مستقبلا،  كما هو حال القصة اليوم؟
هذا ما يحصل الآن. وأعتقد أنه لن يتغير بسهولة. فهل على القصة والشعر أن يجترحا أساليب جديدة للنشر، بما في ذلك النشر السمعي البصري؟ ربما!

 بعد الثورة على النظام والأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية في تونس، هل ننتظر أدب ثورة مختلفا يبدعه أدباء تونسيون؟
بالتأكيد، وقد بدأ فعلا، خصوصا في الشعر الذي يتميز بسرعة التفاعل مع الحدث، وفي ذلك مكسبه ومقتله أيضا ( علينا أن نتذكر شعر الانتفاضة الفلسطينية كأبرز مثال). لكنني أعتبر أن مكسب الحرية هو الذي سوف يكتب الجديد، هو الذي سوف يشكل المناخ السليم لكتابة لا تستكين لغموضها طلبا للسلامة، أو تغامر بصَلَفها من أجل البروز ( آفة الكتب الممنوعة التي تزداد شهرة).

 في نظرك، لماذا نفتقد في المغرب العربي إلى صفحات ثقافية مُجيدة ومختصة، والتي حتى وإن وجدت تكون ضعيفة مقارنة مع غيرها في المنابر المشرقية؟
هناك نقطة مهمة أريد أن أثيرها، وأنطلق فيها من تجربتي في تونس: ملاحقنا وصفحاتنا الثقافية- وهذا ينطبق على بقية بلدان المغرب العربي أيضا- تكتفي بانغلاقها المحلي، وانعدام التوزيع خارج الحدود، ويعود ذلك في الغالب إلى أسباب سياسية وأخرى مادية، فهي لا تقدم حقوق الكاتب بشكل مجزٍ من جهة، وعندما تخونها المادة الجيدة تلجأ إلى الكتَبَة لتملأ الفراغ، وهو فراغ يمكن أن يُملأ أيضا بالنسخ واللصق؛ كما أنها، ومن جهة ثانية، تفضّل سلوك دروب السلامة، ولا تستكتب كتابا بارزين محليين وعربا. أبرز الملاحق العربية في المشرق ليست محلية ( بالخصوص لبنان ومصر- تحديدا أخبار الأدب وفي مرحلتها الأولى- ولاحقا الخليج العربي) أبرز الكتاب في المغرب العربي يقاطعون الصفحات الثقافية في جرائدهم ومجلاتهم، لماذا؟ للأسباب السابقة وأخرى غيرها ليست خافية.

 لا يمكننا الحديث عن حركة نقدية مواكبة للحركة الإبداعية في العالم العربي، بل أصبح المبدعون من شعراء وروائيين يعرّفون بأعمال بعضهم نقديا، كأن غياب النقد المتخصص يقتل النقد والإبداع معا؟
< هذا السؤال له علاقة بسؤالك السابق عن الصفحات الثقافية. وتنطبق عليه الإجابات السابقة. لكنني أضيف أمراضا أخرى مثل العلاقات العامة، والرشاوى، والأساليب الجامعية التي لها حساباتها الأخرى المتحصنة  بالقديم الأكاديمي حينا، وبالتجديد الببغائي المنقول عن المدارس الغربية أحيانا أخرى، فضلا عن الشعور بالنقص لدى نقاد المغرب العربي الذين يفضلون الحضور في المشرق بالكتابة عن رموزه…

 صرّحت أنه تمّ رفض كتابات لك عن شعراء لبنانيين لأنها تضمنت قسطا من الملاحظات والنقد خصوصا عن «مؤثرات القصيدة الفرنسية في الشعر اللبناني». لماذا يرفض المنجز المشرقي نقد المغربي ؟ بل ويرحب بنقد المشرقي للمغربي ؟
هذا التصريح تحديدا يتعلق بأمر محدود ولا أعتقد أن من الراجح تعميمه على النقد العربي في اتجاهيه المغاربي والمشارقي ( الشرق مشارق مثلما المغرب مغارب، كما قلت في مناسبات سابقة). تحدثت آنذاك عن تعاملي مع صحف لبنانية يمسك بصفحاتها الثقافية شعراء لبنانيون يعاملون بعضهم بالحسنى، وبتبادل شعار حسن الجوار، ولا يسمحون بالنشر لمن يتجرأ على نقد زملائهم، في نوع من لعبة شعارها توازن الرعب.

 أعلن الروائي المغربي المعروف «الطاهر بنجلون»مؤخرا أن الترجمات التي تصدر في سوريا لرواياته سيئة جدا، كما وأشرتَ في إحدى حواراتك إلى كون الفوضى المؤسساتية تعكس الفوضى في الترجمة.ألا ينتج لنا هذا أدب الفوضى؟
فعلا هناك فضائح في الترجمة، وسبق لي أن أشرت إلى مثل هذه الأعمال المشينة والمستهينة بالقارئ العربي. وكنت قد استنتجت ما يلي: هناك دقة في الترجمات المغاربية على حساب سلاسة اللغة، مقابل سلاسة في لغة الترجمات المشارقية على حساب الدقّة. هذا الرأي لا يجب تعميمه. فهناك في الجهتين من استطاع التوفيق بين اللغة ودقة الترجمة إلى حد بعيد. لكن هناك ترجمات تجارية أيضا، وأخرى يتولاها أستاذ يستعين بطلابه ويوزع عليهم أجزاء الكتاب، ودور نشر لا تريد دفع أموال إضافية لمدققين ومراجعين الخ…

  «تونس بلد غير فاعل ثقافيا» «الكتاب التونسي مضطهد بسبب الهجمة الفرنكفونية» ، هذان مقتطفان من ردود سابقة لك.كيف ترى مستقبل الثقافة والأدب التونسيين؟
< لا أريد أن أتنبأ لكنني أرغب في التفاؤل. أرغب في القول إنّ دور تونس الفني والثقافي ينبغي ألا يكون أقل من دور لبنان. كانت السلطة تخاف الثقافة، تغريها بالرشاوى، تتوّجها بالأوسمة فيما هي تسدد لها ضربات تحت الحزام. كانت تفضّل الإعلام الثقافي على الثقافة ( الملتقيات، المهرجانات وكل أنواع التبذير…) والثقافة السياحية أيضا. وظلت بلدا مغلقا دون نشر للكتاب العرب إلا في النادر وبطرق ملتوية. ولا تسمح بمجلات ثقافية مستقلة، وتجعل الكثير من الكتاب والفنانين في حاجة ولو احترازية، لمناشدة الرئيس كي يترشح لفراغ العام2014 غير أن رياح الثورة عصفت بسفن المناشدات.
كاتبة مغربية*

المصدر

*

اليوسفى: المشاركة التونسية مجاملة وبهارات ثورية؟

المصدر: الأهرام العربى
بقلم: عزمى عبدالوهاب
يناير 212012

تنطلق غدا فاعليات الدورة الثالثة والأربعين لمعرض القاهرة الدولى للكتاب، بعد إلغاء دورته الماضية بسبب اندلاع ثورة 25 يناير، بمشاركة 29 دولة بينها تونس ضيف شرف هذا العام، ونحو ألفى دار نشر عربية ومصرية وأجنبية، ويدور المحور الرئيسى للمعرض هذا العام حول “ربيع الثورات العربية.”
وفى إطار الاستعدادات الجارية للاحتفال بالثورة المصرية، يغلق المعرض أبوابه أمام الجمهور يومى 25 و26 من يناير، على أن تستأنف أنشطته بعد ذلك حتى السابع من فبراير المقبل.
وفى محاولة للإطلال على الثقافة التونسية فى اللحظة الراهنة نجرى هذا الحوار مع الشاعر والروائى والمترجم التونسى محمد على اليوسفى، حيث يمتلك رؤية خاصة عن الثورة وعن المشاركة التونسية فى معرض القاهرة الدولى للكتاب، فهو يرى أن الثقافة ليست لها أية أولويات على أجندة التغيير، وأن المثقفين الذين نالوا الأوسمة من نظام زين العابدين بن على ينتظرون الأوسمة من الثورة.
“الأهرام العربى” التقت اليوسفى وكان هذا الحوار:

-هل ظهرت أعمال إبداعية تواكب الثورة التونسية أو تتناول ما جرى؟

طبعا، وكما تكون “أعمال المواكبة” فأغلبها مطبوع باللحظة الراهنة. وفى رأيى أن كتابات الثورة مبثوثة فى الكثير من الكتابات التونسية منذ “الاستقلال”. أما فى الوقت الحالى فإن الكتابة الشعرية هى التى أبرزت بعض النصوص نظرا لتميز الشعر بقدرة أسرع على التفاعل مع الحدث، وإن كان ذلك أمراً ذا حدين، أى أنه يتضمن احتمالات الجودة والرداءة. أما بالنسبة للرواية فربما كانت النصوص “المخبّأة” قبل الثورة هى الأنضج فنيا، مع احتمالات التنقيح فى آخر لحظة طبعا. فى حين أن بعض الكتابات أنجزت للثورة خصيصا وهنا مجال للحديث عن المتاجرة المرحلية بكل شيء.
هذا الكلام ينطبق على منجزات الفنون الأخرى مثل السينما والمسرح والغناء. ولعل الغناء، وباسم السيدة الثورة، قد تنكّب مشقّة الصراخ التبريرى لوجوده، على خطى الذين فهموا الحرية كما شاءوا. الكثيرون يشعرون أن لديهم رسالة يودون توصيلها، وموقعا يريدون بلوغه، لذا يسيطر الموقف على حساب الأداء الجمالي، والخطاب المباشر على حساب الشكل الفني.
أما الكتب التوثيقية فهى عديدة ولا تدعى أكثر من ذلك. وهى باللغتين العربية والفرنسية.

كان الشعار الأساسى الذى رفعته الثورة التونسية مستمدا من “أبى القاسم الشابي”: إذا الشعب يوما أراد الحياة هل يعنى هذا أن الشعر كان له الأثر الأقوى فى تغذية الوجدان الشعبى التونسى أكثر من الأجناس الأدبية الأخرى؟

– تردد هذا السؤال كثيرا، وأخذت الاستنتاجات أكثر من حجمها، ولا أعتقد أنه يمكن الحديث عن وجدان “معبّأ” بالشعر. بيت الشابى ذاك لم يأت مباشرة من ديوانه فقط، بل من محفوظات المدارس ومن النشيد الوطنى أيضا: وهذا أمر مهم جدا، من أجل عدم تضخيم دور الشعر المسكين! لقد استخدم مطلع قصيدة الشابى بوصفه شعاراً سياسيا، لأنه دخل فى التركيبة الثقافية والخطاب الجمعي. النشيد الوطنى يجمع أصلا بين شعر الشابى وشعر الرافعي. أى أن الشابى كشاعر يسكن فى بلاده، تونس، محشورا ببيتين داخل قصيدة لمصطفى صادق الرافعى تشكو من كسور فى بحر المتقارب! وهو ما يعكس الصورة الخفية لكثير من التناقضات التونسية المحتفية بذاتها شكلا والمحتاجة إلى غيرها ضمنا (يحدث لدى فئات واسعة لدينا أن تهاجم مصر والشرق إجمالا، وتتغذى من آهاتهما!) لكن من المهم جدا، أن اللغة الفرنسية لا يمكن تطويعها وإسكانها فى مثل هذا النشيد أيضا(!)0

– لماذا يبدو “الشابي” هو الشاعر التونسى الوحيد الذى تجاوزت قصيدته الأفق التونسى إلى آفاق عربية واسعة؟

ربما لأنه شاعر ملهم، أليس كذلك؟ أى من ذلك الصنف الذى يعيش قليلا ويعطى كثيرا. لكننا وحتى لا نظلم الشعر التونسى نجد أسماء كثيرة أبدعت شعريا ولم تنل حظها من الشهرة. ويعود ذلك إلى أننا بلد ليس ذا وجدان شعرى أولا، كما أزعم، ولم يعرف عن السلطات المتعاقبة أنها شكلت دعامة ضمن آلاتها الإعلامية لاحتضان الشعر، ثانيا، بل هى أسهمت فى تدميره أحيانا بتقريب عكاظيات المداحين والتسبب فى جنون البعض وموت غيرهم (خلال عهديْ بورقيبة والرئيس المهرّب) أما الشابى فلم يزعجه أحد لأنه أقام فى دولة “الاستقلال” كبيرا شهيرا، لكنه كان ميتا طبعا، أى غير مزعج. ولو حكمنا بالخلاف وقلنا: “لو كان الشابى حيًّا.” لتوقعنا كل شيء، إذْ كان الرئيس الأسبق بورقيبة، وهم يحاولون الإعلاء من شأنه اليوم لافتقادهم الأب، لا يوفر فرصة لتقزيم الشابى وإرجاعه إلى دائرة نشأته المحلية فلا ينفك يسميه “بلقاسم” (يفضل هنا حرف الجيم المصرية بدل القاف لتجسيد الصوت) فالبلاد لا تتحمل كبيريْن اثنيْن

– كيف كان المشهد الثقافى التونسى قبل الثورة؟

يبدو أنه كان أعراسا موسمية ومصاريف غير منتجة ولا مشجعة إلا على التسلية والسياحة الثقافية وملء ثغرات التفكير. حتى إن الشعر لا يُقرأ غالباً، إلا فى قاعات مخصصة لمريديها. ورغم ذلك شق البعض طريقه غير المعبدة بعيدا عن إغراءات الدعم، خصوصا فى المسرح. لكن من الضرورى أيضا الإشارة إلى أنّ من لم يتلقَّ دعما داخليا سعى إلى البحث عنه فى الخارج، ضمن أجندات ثقافية لها رأيها فى التمويل طبعا. وكان المشهد الداخلى عبارة عن شبكة كبيرة استدرجت المثقفين والأكاديميين (إلا قلة قليلة) للانخراط فى اللعبة وتلقى الأوسمة من رئيس جاهل يقترح عليه مستشاروه أسماء كبيرة وأخرى للتحييد (تونسيا وعربيا طبعا) كم عددُ الكتاب التونسيين الذين لم يوسمهم زين العابدين بن على ياترى؟ أما الموسّمون السابقون فإن أغلبهم ينتظر أوسمة الثورة حاليا!2

– هل هناك إستراتيجية ثقافية جديدة فى تونس تتناسب مع الثورة كفعل إبداعى خلاق؟

هذا سؤال كبير فى وقت ضبابى مرتبك. الهيمنة للسياسة الآن. إذْ صار يناقش فيها و”يثريها” حتى الرياضى والكوميدى والصحفى المنظّر، وكل من هب ولم يكتفِ بالدَّبّ. ولعلّ السؤال الثقافى يعدّ ترفاً فى وقت يصيح فيه الناس من أجل التشغيل وتحسين ظروف العيش. إضافة إلى تعقيدات أخرى تخص تونس تحديدا وتتعلق بالتجاذبات الحادة حول مفهوم الثقافة بين الحداثة والمحافظة من جهة، وبين التعريب والفرنكوفونية، مع تهم جاهزة قد تسارع إلى اعتبار كل تعريب هو رجعى بالضرورة، وجاذب إلى الوراء، وتربة خصبة لنيات التيار الإسلامي.
المرحلة الانتقالية السابقة حاولت الترميم وليس وضع إستراتيجيات جديدة. والمرحلة الجديدة تسير بقوة العادة، وإن كانت تجتهد أحيانا فى اختيار رموزها. هكذا تتواصل الملتقيات والمهرجانات بنفس الوتيرة الاحتفالية، مع فشل لبعضها كما حدث فى مهرجان ثقافى صحراوى أخيراً، عادة ما تركض فيه الجمال وتطارد فيه كلاب السلوقى أرنباَ، من أجل إبهار السيّاح، فى بلد تخونه السياحة حاليا. ولا شك أن المسألة الثقافية ليست من الأولويات حاليا، يضاف إلى كل ذلك أن الثقافة تحديدا تحتاج إلى عقود زمنية لتأتى بثمار أى تغيير.

– مع صعود التيارات الإسلامية فى العالم العربى هل تلمح بوادر خطر يقيد حرية الإبداع نريد الحديث عن الحالة التونسية تحديدا؟

فى المستقبل المنظور لا أرى شيئا من ذلك فى تونس. وحتى حالات الصدام التى وقعت كانت حركات خرقاء للحداثويين الذين قفزوا من برج إيفل الباريسى لاختبار حرية الإبداع فى تونس، فعاقبهم الشعب عبر صناديق الاقتراع! أما فى المستقبل البعيد فكل شيء وارد، خصوصا إذا تمّ توخى سياسة القضم والهضم، إلا إذا تعلقت همة الإسلاميين فى تونس بإرساء “نموذج تونسي” استثنائي، أو مستوحى من تجارب إسلامية أخرى رائدة؟

 كيف ترى أهمية المشاركة التونسية فى معرض القاهرة الدولى للكتاب كضيف شرف؟

شخصيا لم أسمع بهذه المشاركة إلا من مواقع النت؛ وسمعت من صديق ليبى مقيم فى تونس أن وزارة ثقافة مصرية راسلت وزارة ثقافة تونسية (أرجو ألا تضاف ألف ولامً لكلمة “ثقافة” المضافة للوزارتين!) والطبخة تجهز كالعادة. أما الحديث عن المشاركة وأهميتها فلن تتجاوز فى رأيى مستوى المجاملات الاحتفالية الرسمية. مع “شوية” بهارات ثورية!

– هل تسهم مثل هذه الفعاليات فى تجسير الهوة بين الشرق والغرب؟

هذه الفعاليات كانت تجرى فى الماضى أيضا. ولا حاجة إلى الشيطنة المطلقة للحكام السابقين. الهوة سوف تبقى هوة إنْ لم يتم النظر إليها وفق رؤى جديدة لن تظهر نتائجها فى المستقبل القريب.

– كيف ترى صناعة الكتاب فى تونس؟ وماذا عن حركة النشر عموما؟

تتكاثر دور النشر الصغيرة ولا أراها تكبر بسهولة، سوقها ضيقة جدا والقارئ نادر، وهى تضطر إلى النشر الممول من المؤلف. والأصعب أنها غير قادرة على المنافسة حتى الآن خارج حدود البلاد. وهى تعانى أيضا ضعف الإقبال المحلى على الكتاب المترجم الذى يشكل حماية جزئية لأى دار نشر. ضعف توزيعها قد يؤدى أيضا إلى ارتفاع أسعار كتبها، ليشكل كابحا سواء أمام القارئ المحلى النادر حقا، أم فى مجال منافسة دور النشر العربية، هذا إذا نجح البعض فى تأمين مصاريف السفر. وهناك ملاحظة أخرى جديرة بالذكر، وهى أن دور النشر التونسية تكاد تقتصر على نشر المؤلفات التونسية، وهذا الأمر يحد من انتشارها عربيا على الأقل، كما يحدث فى عدة بلدان عربية على غرار لبنان فى المقدمة وتليه سوريا ومصر. وهذه الملاحظة تنطبق على المجلات الثقافية التونسية التى عاشت منغلقة على نفسها طيلة العقود الماضية وفق سياسة البلاد طبعا.

– هل من ملاحظات أخرى؟

الرؤية النقدية التى قد تبدو متشائمة للبعض، ليست إلا محاولة لوضع الملح على الجرح بعيدا عن المدائح التى كانت فى السابق تحتفى بكل ما هو تونسي، وبدأت بعض ملامحها تتكرر باسم الثورة هذه المرة، لأن التغييرات السياسية تعدُّ فى منتهى السهولة مقارنة بتغيير العقليات. وربما حان الوقت لنعترف بأن الثقافة التى كان يقال عنها إنها قادرة على التغيير هى أيضا قادرة على صنع الطغاة…1

http://digital.ahram.org.eg/Arts.aspx?Serial=777610

***

lapresse

Actualités : Culture

1er symposium tuniso-espagnol d’hommes de culture et d’écrivains tunisiens

Lorsque les deux rives se croisent

Le 1er symposium tuniso-espagnol d’hommes de culture et d’écrivains tunisiens, dont les travaux ont démarré mardi dernier à la Bibliothèque nationale et se sont poursuivis jusqu’au 3 novembre dans différents espaces  de Tunis, avant de se terminer le 7 novembre avec un programme touristique de visites guidées à Sidi Bou Saïd, Kairouan, Tozeur, Tamaghza, Monastir et Sousse, a réuni un grand nombre de personnalités littéraires d’Espagne et de Tunisie qui ont débattu de différentes questions autour de la culture et des lettres en Méditerranée.
Organisé par l’Association tunisienne des étudiants de la langue et des arts espagnols et la maison d’édition espagnole «Pygmalion Edypro», cette manifestation à laquelle a assisté un grand nombre d’étudiants en langue espagnole, ainsi que de nombreux hommes de lettres, a permis l’échange de points de vue entre les écrivains et penseurs des deux rives de la Méditerranée et stimulé les échanges culturels entre la Tunisie et l’Espagne, à travers la traduction d’œuvres littéraires contemporaines tunisiennes vers l’espagnol et la traduction d’œuvres espagnoles de grande renommée vers l’arabe et le français. C’est dire l’importance d’une telle manifestation pour des étudiants diplômés à la recherche d’un emploi. Une belle opportunité qui s’offre à eux et qu’ils n’ont pas manqué de saisir au cours de cette semaine.

2.000 ans d’histoire tuniso-espagnole

L’histoire des relations tuniso-espagnoles n’est pas née aujourd’hui. Elle remonte à l’époque carthaginoise à travers le célèbre Hannibal qui est de père carthaginois et de mère espagnole, comme l’a rappelé M. Azedine Beschaouch, ministre de la Culture, lors de son allocution d’ouverture du symposium. Ainsi, les relations culturelles entre les deux pays sont vieilles de plus de 2.000 ans et elles se sont affermies lorsque la Tunisie a accueilli les Morisques qui se sont intégrés dans le tissu social tunisien en apportant leur savoir-faire et leurs connaissances dans des domaines divers.
De nos jours encore, les échanges culturels se poursuivent et s’intensifient, grâce notamment à ce genre de rencontres. Parmi les intervenants à ce symposium, il y a eu Enrique Revuelta Lapique, romancier, parolier et ex-journaliste à El Pais, dont la communication a porté sur «le roman et la mémoire», propose une introspection dans l’écriture du roman depuis la mémoire, indiquant qu’auparavant les écrivains s’intéressaient au but qui portait toute l’action du roman, au détriment de la mémoire. Celle-ci ne se fixait pas de but et laissait libre cours à la pensée. «On ne sait jamais où cela va aboutir», a précisé notre Lapique. «Le premier romancier, ayant entrepris cette démarche de manière sans doute inconsciente, est Marcel Proust qui a totalement bouleversé l’écriture du roman», a-t-il ajouté. L’intervenant a exprimé son souhait de voir son roman «Luna Parker», une histoire d’amour et d’identité, traduit en arabe.

L’Amérique latine, l’autre rive

Le traducteur pourrait être, pourquoi pas, Mohamed Ali Yousfi, qui compte à son actif 24 livres d’auteurs d’Amérique latine traduits en langue arabe. Ce sont les maisons d’édition libanaises qui lui ont permis de découvrir la littérature  amérindienne. Il a traduit les œuvres de Gabriel Garcia Marquez Récit d’un naufragé, L’automne du patriarche où il est fait allusion à la personnalité du dictateur. Ces livres ont fait un tabac au Moyen-Orient. Son intervention à ce symposium s’est focalisée sur le thème «Tunisie-Espagne et l’autre rive méditerranéenne : l’Amérique latine». Il existe de grandes similitudes entre les cultures d’Amérique latine et le monde arabe. Les auteurs amérindiens se sont beaucoup inspirés des «Mille et une nuits» dont Borges, et vice versa. Cette littérature est la plus proche  des Arabes, parce qu’elle traite de la dictature telle que vécue dans les pays arabes. Les auteurs d’Amérique latine ont su traduire la dictature en littérature. Les écrivains arabes n’ont pas encore abordé cette question dans leurs romans. Dans sa communication, Youssfi a mis en relief les influences littéraires des deux côtés et l’impact des œuvres traduites sur les écrivains arabes. «Lorsqu’on lit un roman dans une langue traduite on s’approprie le texte qui devient local, assimilé et plus abordable, alors que dans sa langue originale, il reste étranger», a indiqué l’auteur du roman Le soleil des tuiles (Prix Comar 1997), ajoutant que Borges ou Marquez deviennent des auteurs arabes, lorsque leurs œuvres sont traduites.

Auteur : Neila G.

Ajouté le : 09-11-2011

http://www.lapresse.tn/09112011/40062/lorsque-les-deux-rives-se-croisent.html

*

Screenshot_السفير

تفيد العزلة الأدبية في إنتاج شيء أفضل ولا شيء يكرهه مثل «الساحة الثقافية

محمد علي اليوسفي: أنا حريص على إيقاع الحدث في الرواية

عبد الرحيم الخصّار- المغرب

عاش محمد علي اليوسفي حياته موزعة بين تونس ودمشق وقبرص وبيروت ومدن أخرى، وموزعة أيضا بين الرواية والشعر والترجمة والنقد والفلسفة، انتبه وهو أحد أهم المترجمين العرب باكرا إلى أدب أميركا اللاتينية وافتتن بسحره وقدم رواده إلى القارئ العربي: ماركيز وأوكثافيو باث واستورياس وساموديو وكاربنتييه وغيرهم، كما ترجم باتاي ولوكاتش وكازانتزاكي وآخرين، لكنه منذ «حافة الأرض» إلى «عتبات الجنة» مرورا بعدد من الروايات والأعمال الشعرية والنقدية ظلّ الكاتبَ الهادئ الذي ينزع إلى التامل والحكمة و«غريب الدار» و«الصياد ذو الحظ العاثر»

أنت أول من ترجم غابرييل غارسيا ماركيز قبل أن يحصل على جائزة نوبل سنة 1982، حيث قدمتَ للقارئ العربي «حكاية بحار غريق» سنة 1980، و«خريف البطريرك» في العام الموالي، لماذا اخترت أن تدخل عالم الترجمة عبر ماركيز؟ وكيف كانت التجربة؟

للتدقيق، لست أول من ترجم ماركيز، بل كان عمله الأول «مئة عام من العزلة» من ترجمة المرحوم سامي الجندي، وقد لقي الكثير من الصعوبات في نشر الرواية المترجمة، إذْ رفضها روائي عربي كبير كان مشرفا على قراءة المخطوطات، كما روى لي الدكتور سامي آنذاك، ثم نشر الرواية في بيروت حيث صدرت عن دار الكلمة، بعدها مباشرة ترجمتُ أنا رواية ماركيز «حكاية بحار غريق» وتلتها «خريف البطريرك»، في الحقيقة روايات ماركيز لقيت نجاحا منقطع النظير حتى قبل نيله جائزة نوبل، القراء كانوا أحسن المستقبلين له، لكن دور النشر وقرّاء مخطوطاتها هم الذين كانوا يترددون ويعرقلون، كانوا ينصدمون بهذا النوع من الكتابة «الغريبة والمشوشة لطمأنينتهم»، وأكثر من ماركيز هناك أوكتافيو باث الشاعر المكسيكي الذي ترجمته وظل سنوات في أدراجي وقدمته لأكثر من دار نشر بيروتية من دون جدوى، وفي النهاية كان من حظ دار النشر الصغيرة التي نشرته ونال جائزة نوبل بعد أشهر قليلة، ولم يكن للعرب من مرجع إلا ذلك الكتاب «حرية مشروطة» الذي ضم ثلاثة دواوين من شعره

وللإجابة عن الجزء الثاني من سؤالك أقول انني لم أختر البدء بماركيز، ولاحقا أبرز كتاب أميركا اللاتينية، إلا بمنطق القبول الذي وجده هذا الأدب، كان يرضي ذائقتي وذائقة القراء، كما أنه حقق الرضا للطرف الثالث من المعادلة؛ أي الناشر، بعد أن قبضت يده مردود المغامرة. تسألني كيف كانت التجربة؟ أعتقد أنها كانت مفرحة لأصدقائي وأكسبتني ثقة القارئ العربي الذي ينتقي ترجماتي واثقا من اختياراتي، بقطع النظر عن الظروف الصعبة التي كانت تجري فيها الترجمة آنذاك خصوصا في ما يتعلق بحقوق المترجم، ولا تسأل عن حقوق المؤلف طبعا: روى لي صاحب دار الكلمة أن ماركيز اتصل مطالبا بحقوقه فاعتذر له قائلا اننا لا نطبع إلا بضع مئات من النسخ وإذا أردت سأرسل إليك بضعة دولارات! فانقطعت المطالبة!

لم تتوقف عند ترجمة الرواية والشعر، بل نقلت إلى العربية «بدايات فلسفة التاريخ البورجوازية» لماكس هوركايمر، و«بلزاك والواقعية الفرنسية» لجورج لوكاتش، و«نظرية الدين» لجورج باتاي، و«من تونس إلى القيروان» لموباسان، وأعمالا أخرى، ما الذي كنت تراهن عليه وأنت تترجم كتبا في النقد والفلسفة والدين والسيرة والسينما والرحلات؟

لم أكن أراهن على شيء: فقط أترجم ما أراه مهما، من منطلق اهتماماتي أولا، ورغبة في فرحٍ ما، قد يجده أصدقائي والقارئ العربي إجمالا. فأنا متخرج فلسفة، أكاديميًّا، وأكتب الشعر والرواية، وأحب السينما

ترجمت «المنشق» سيرة نيكوس كازانتزاكي التي كتبتها زوجته، وأنت تعتبر هذا العمل من الكتب التي غيرت حياتك، ما الذي تغير فعلا بعد خروجك من الصفحات الخمسمئة للمنشق؟

ربما لم يغير حياتي بالمعنى الحرفي للكلمة، بل حصل ذلك بالمعنى الروحي والمادي، هو أول كتاب أترجمه في فترة قياسية (لم أفش السر إلا بعد نجاح تقبل الترجمة) ترجمت (500 صفحة من القطع الكبير) في أقل من شهرين، لأنه كان مطلوبا مني من المجمّع الثقافي في أبو ظبي الذي كان يستعد لإقامة أسبوع ثقافي خاص بكازنتزاكي، وقصر الفترة جعلني أتفرغ للكتاب ليلا ونهارا فقط – مع قليل من النوم والحاجات الأخرى طبعا – وأعايش تفاصيل حياة كاملة، من الصعود إلى الأفول الجسدي، في شهرين، وجدت أن كازنتزاكي كان يترجم ليكمل بناء بيته، وذاك ما كنت أفعله آنذاك، ووجدت رسالة له كتبها صبيحة يوم ميلادي فوضعت لها هامشا ذاتيا (هل كنت تسمع يومها صراخ وليد في الشمال الإفريقي هو الذي سيترجم هذا الكتاب لاحقا؟)، وبالنظر إلى أن الكتاب جاء على هيئة رسائل فقد كتبت بعد انتهائي من الترجمة رسالة إلى كازنتزاكي (تحسرت لأنني لم أنشرها كمقدمة، إذ صدر الكتاب مبكرا من أجل الاحتفالية) للمشاركة بها كمداخلة، وقد نالت إعجاب الحاضرين وسألني وكيل أعمال زوجة كازنتزاكي عن نسخة منها بعد أن سمع رد فعل الحاضرين

وللعلم لست أنا من قدم كتاب «المنشق» للنشر في دار الآداب بل المجمّع نفسه لأسباب تعود بالأساس إلى جرأة كازنتزاكي في مجالي الدين والجنس، أما حقوق الترجمة فقد استلمتها مجزية من المجمع الثقافي. وبالفعل ساهم المبلغ في اقتناء بيتي هذا الذي أمتلكه الآن

أصدرت حوالى ثلاثين كتابا مهما في الشعر والرواية والترجمة، غير أنك تبدو غريبا في بلدك تونس، إذ ثمة على ما يبدو تنكر كبير لك من طرف الوسط الأدبي والمؤسسات الثقافية هناك، ما سر هذه الغربة؟

لا أعتقد أن هناك تنكرا، قبل عدة أيام فضلت الاستسلام للتلفاز في برامجه البايخة، وفي برنامج كئيب ضاحك استمعت إلى طرفة رائعة: سأل أحدهم الثاني: ماذا يحدث لو نال تونسي جائزة نوبل؟ أجاب الثاني: سوف يتم التشكيك في الجائزة! ولا أشكو من شيء في تونس، فهي أفضل ما في الإمكان حتى الآن، في البلدان العربية أنت مراقب ومرحب بك ومهدد بالطرد في أول زلة لسان، وأوروبا مغلقة، جربتها في السابق ولم أكن مضطرا للعيش ضمن قائمة المواطنين من الدرجة الثانية، وفي الواقع تفيد العزلة الأدبية في إنتاج أفضل، لا شيء أكرهه أكثر مما يسمى»الساحة» وهي هنا «الساحة الثقافية». البلد صغير ولا يستوعب ثقافة حقيقية قد تقول لي: «لبنان بلد أصغر». حينها أجيبك: «من أين لنا انفتاح لبنان على الثقافة العربية؟» إن نشر كتاب في دمشق أو بيروت يضمن توزيعه على الأرجاء التائهة، الناشر في تونس، إذا تجاوز شارع بورقيبة في تونس العاصمة يعتبر ناشرا مهما. ولي تجربة سيئة في هذا المجال كانت الأولى والأخيرة، فقد صادف أن نشرت رواية «شمس القراميد» ونالت جائزة أفضل رواية في ذلك العام، نفدت النسخ القليلة من السوق الصغيرة ورفض الناشر إعادة طبعها، ومع ذلك فضلت التعامل مع الناشر نفسه في الرواية اللاحقة، من باب الوفاء، فسوّفني عامين ثم اعتذر لي بسبب صعوبات في الدار مبتسما: أقدم لك المخطوطة المرقونة مجانا! وبعده سلمتها لدار أخرى كان صاحبها يلح عليّ، فأجلها بدوره عاما كاملا، وكان صمته يخفي طلبا ضمنيا بدفع واجبات النشر (!!!) الرواية نفسها لم تظل أكثر من شهرين كي تصدر في بيروت.

حتى النقد هو الآخر على المستوى العربي عموما يبدو أنه يدير منظاره بعيدا عن تجربتك، ألهذا السبب نجدك تقول: «بصراحة أنا أعتقد أن ثقافتنا في المنطقة العربية كلها تعاني من مسألة العلاقات الشخصية وتبادل المصالح والمنابر، ولو تم رصد أسماء من يكتب عنهم كتابات غزيرة من شعراء وروائيين لتبين أن هذه الكتابات نابعة من سلطة مادية أو معنوية، فجميع العلاقات الحميمية في الكواليس تقوم على المصالح المتبادلة فقط ما يعني غياب النقد الموضوعي وبالتالي لا يمكننا الحديث عن حركة نقدية مواكبة للحركة الإبداعية»؟

* كلا، قد لا أقول يدير ظهره بل يحسب حساباته، فهناك كتابات وأطروحات جامعية من أناس أعرفهم وآخرين لا أعرفهم، وهذا مفرح أكثر. وهم قراء رائعون من الجيل الأجدّ خصوصا. أما إذا نظرنا إلى الموضوع من حيث كثافة الكتابة النقدية فهذا فعلا له علاقة بالإخوانيات والمناصب (هل تعرف مثلا أنني، بعد عودتي إلى تونس، فقدت الكثير من الأصدقاء الكتاب الذين زاروا تونس واكتشفوا أنني لست قادرا على دعوتهم للملتقيات والاحتفاليات!) يضاف إلى ذلك أنني لست ممن يهدون نسخا من إصداراتهم للصحافة وللكتاب والصحافيين، أو ممن يحاصرون أصدقاءهم بالإلحاح على الكتابة عنهم، كما يفعل معي الكثيرون. وبالنظر إلى معايشتي للمنابر العربية، وخصوصا في بيروت، أعرف أن بعض الكتابات ستصادر من مسؤول الصفحة، في هذه الصحيفة، لأنك تعرضت ببعض الملاحظات لمسؤول الصفحة الأخرى في الصحيفة البيروتية الأخرى (هذا الكلام غير مستحب إذا كنت ممن يفضلون تغليب المصالح!) ولي تجربة في هذا المجال: إذ رُفضت كتاباتي عن شعراء لبنانيين، أبرزهم عباس بيضون الذي أكن له محبة خاصة منذ السبعينيات، ويفتنني شعره، رفضت مقالاتي عندما تضمنت قسطا من الملاحظات والنقد وخصوصا مؤثرات القصيدة الفرنسية في الشعر اللبناني. المنبر أيضا يخلق كاتبه ويجعل الآخرين يلتفون حوله. عودة إلى الإخوانيات سأقدم مثلا آخر: تجربة سليم بركات بات يتنكر لها الكثيرون أو يتجاهلونها بعد اختفاء مجلة «الكرمل». وأخيرا هناك مسألة مهمة تخصني: كتاباتي لا تجاري السائد ولا يهمني موضوع الواقعية والفضائح وركوب الموجة، أكتب بهدوء لقارئ بعيد يمسك بكتابي في زاويته الخاصة ويجتهد معي ولو على حساب وقته، إن كان قارئا حقيقيا. إنه صنف من القراء بدأ يظهر منذ سنوات بعيدا عن سدنة النقد العربي الأبرز

حسنا لنترك النقد العربي جانبا، سيقودنا إلى جحيم ما، دعنا نعُد إلى الشعر، فهو الملاذ على ما يبدو. تقول في أحد نصوصك: «أنا الصياد العاثر الحظ»، تيمة سوء الحظ سنجدها أيضا حاضرة في عدد من نصوصك، ما حكايتك مع العثرات؟ وهل الخذلان هو قدر الشاعر العربي اليوم؟

قد يكون ذلك صحيحا، لكنه يشمل الوضع العام ولا يختص بوضعي الشخصي فقط، وحتى إذا اختص به فهو لم ينفك يتحرك ضمن سياق عام من الخيبات المتتالية، والخيبة هي ذلك الوهم الذي يتبدد مع الأيام وكان قبل التبدد يُدعى حلمًا

بدأت شاعرا حيث أصدرت سنة 1988 ببيروت أول عمل أدبي لك، أقصد ديوان «حافة الأرض»، لكنك بعد أربع سنوات ستتحول إلى الرواية، حيث ستصدر تباعا عددا من الروايات التي حظيت بجوائز عربية، ما سبب هذا التحول؟ هل هو الإيمان بأن الزمن صار زمن الرواية فعلا أم أن ثمة أسبابا أخرى؟

* كلا؛ لم «أتحول» من الشعر إلى الرواية، لقد جربت كتابة أول رواية منذ كنت في الثانية والعشرين من العمر، وهي الرواية نفسها التي استذكرتها بعد قرابة العشرين سنة لتصدر بعنوان» توقيت البنكا» ولعبت التجربة مع تقدم العمر، وكذلك الترجمة، دورا مهما في شحذ همتي لكتابة الرواية، ولا يعني ذلك أنني تخليت عن كتابة الشعر، فقد صدرت لي بعد مجموعة «حافة الأرض» التي ذكرتها، ثلاث مجموعات شعرية هي «امرأة سادسة للحواس» و«ليل الأجداد» ثم «ليل الأحفاد». ولديّ من القصائد ما يهيئ لمجموعات أخرى جديدة، غير أن نشر الشعر أصعب من نشر الرواية، خصوصا أنني ممن لا يخضعون لشروط الدفع لدى دور النشر

في عدد من رواياتك يحضر اليوسفي الشاعر ليضيف شيئا ما إلى اليوسفي الروائي، حيث تصير أحيانا اللغة الشعرية وعاءً لأفكار الرواية، ما سر هذا التداخل بين السرد والشعر في أعمالك؟

أنا مقتنع بأن الرواية هي عمل أدبي في الدرجة الأولى وليست مجرد «حدوتة» تروى، وفي هذا المجال كثيرا ما قلت إن جداتنا ـ وشريحة عريضة من عامة الناس ـ قادرات على سرد حكايات مدهشة تفوق خيالنا. الشعر في رواياتي لا يكون حاضرا دائما إلا في العلاقات والأماكن الشاعرية وخصوصا الجوانب اللامرئية في معتقداتنا الشعبية. فأنا حريص على إيقاع الحدث في الرواية ولا أذهب إلى حد طمسه بالسيولة اللغوية الشعرية. يُضاف إلى ذلك أن الرواية عندي انطلقت من الجانب السردي في القصيدة التي أكتبها، وعندما أدركت تمادي السرد وتعدد الأصوات في القصيدة خرجتُ بكل ذلك إلى أفق السرد لتكتفي القصيدة بلحظاتها المختزلة

نقرأ في روايتك «دانتيلا» هذه الجملة:«أجوب شوارع أخرى وأقول: «قدري أن أجوبها لأنّ امرأة سبقتني إليها وتركت عليها آثار خطاها.. امرأة هربت مني وفي حقيبتها الشمس»، أنت الكاتب الجوّاب عشت موزعا بين تونس وسوريا وقبرص وأماكن أخرى، هل كنت تتقفى – وأنت تسافر وتكتب – أثر امرأة ما؟

كل المدن نساء بالدرجة الأولى؛ وهذه المرأة تحديدا تركتها في بيروت. بيروت التي شكلت جزءا من تكويني وترحالي بحلوها ومرّها، تماما كما فعلت عواصم أخرى، لعل أُولاها وأهمها دمشق

PH/ DjazairNews

الجزائر نيوز- ملحق – الأثر – الأسبوعي

حوار: بشير مفتي

حوار مع الكاتب التونسي محمد علي اليوسفي

”نحن لا نقرأ أصلا، ولا ننجح إلا  في  الترجمة العشوائية”

محمد علي اليوسفي من مواليد مدينة باجة بالجمهورية التونسية 3 مارس 1950 تابع الدراسات العليا في الاختصاص ذاته بالجامعة اللبنانية خلال الحرب الأهلية· وفي الأثناء مارس الترجمة والكتابة والصحافة الثقافية في أبرز الصحف والمجلات السورية  واللبنانية والفلسطينية· عاد إلى تونس ليستقر بها بعد عشرين عاما أمضى ثمانية منها في جزيرة قبرص· له العديد من الاعمال الابداعية من بينها في الشعر:حافة الأرض .1988 امرأة سادسة للحواس، .1998 ليل الأجداد، .1998 ليل الأحفاد، 2008 وفي الرواية: توقيت البِنْكَا .1992  شمس القراميد،·1997  مملكة الأخيْضَر، .2001 بيروت ونهر الخيانات، بيروت 2002

دانتيلا، .2005 عتبات الجنة، دار الفارابي، بيروت .2007 كما ترجم الكثير من الاعمال الأجنبية المهمة للعربية هنا لقاء مع هذا الكاتب المميز·

حاوره: بشير مفتي

كيف جاء الشاعر والروائي محمد على اليوسفي للكتابة؟ اختيارا أم صدفة؟

بدأ الأمر بالحكايات وتواصل بحب المطالعة منذ الطفولة، حتى أن مدرس الصف السادس الإبتدائي كلفني بمكتبة الصف التي كانت في حقيبتي المدرسية! وكان عليّ تأجير الكتب لزملائي الصغار مقابل عشرة مليمات على القصة، ومن فلوس الإعارات أشتري قصصا جديدة·

تطورت مطالعاتي في الإعدادي وبدأت أقرأ الشعر العربي القديم والسير الشعبية وأقلد القصائد العمودية · وهكذا كانت البداية···

تكتب الشعر والرواية هل انت منسجم مع جنس دون آخر ام تجد تكاملا في ذلك؟

مرة سُئلْتُ أين تجد نفسك بالنسبة لكتاباتك في الشعر والرواية والترجمة؟ فأجبت: بيني وبين نفسي؛ أنا شاعر· وبيني وبين الآخرين؛ أنا روائي· وبيني وبين الجمهور الأعرض، بمن فيه السلطة وجواز السفر والجماهير العريضة، أنا كاتب صحفي ومترجم!

ترجمت عدة أعمال أدبية للعربية؟ في رأيك لماذا نترجم؟

في الترجمة، كما خبرتها، مرحلة من مراحل الاستراحة من الكتابة الشخصية ومعايشة لأجواء أخرى تضنينا وتفيدنا في آن؛ تضنينا لأنها تتضمن جوانب تقنية وطول مثابرة وانتباه وأمانة؛ وتفيدنا لأنها تمكننا من القراءة الكثيفة والمعمقة، ومخالطة أساليب كتابية جديدة·

والترجمة تتفوق علينا أيضا: فالكتاب المترجم أهم من كتاباتنا العربية عادة، سواء لدى الناشر أم لدى القارئ· والناشر في هذه الحال مستعد للدفع أيضا!

وقد يكون في مغادرة الكتابة إلى الترجمة تنويع واستراحة لمن يمارس العمليتين معا؛ أي الكتابة والترجمة·

شخصيا أنطلق في ترجمة النصوص بطريقتين:

– الأولى تكون اقتراحا من الناشر وهي نادرة ومدعاة للريبة· ولا يمكنني الموافقة على ما يقترح إلا بعد تفاعلي مع النص· والمرة الوحيدة التي لم تكن مدعاة للريبة أو التردد حدثت مع ترجمة سيرة كازنتزاكي /المنشق/·

-والطريقة الثانية هي أن أرشح الكتاب بنفسي· وفي هذه الحال قد أصطدم بالناشر وذوقه ودرجة اطلاعه· وفي هذا المجال لاقيت الأمرين في نشر عملين لكاتبين عالميين هما ماركيز وأوكتافيو باث· بالنسبة للأول لعب أسلوبه الصعب دورا في رفضه كما أنهم كانوا لم يسمعوا به بعد؛ وبالنسبة للثاني فقد طفْتُ به على دور نشر أربع فلم تنشر المختارات التي ترجمتها إلا دار نشر حديثة التأسيس وبعد توسط شاعرين صديقين لدى هذه الدار التي أنشأها أحد أقاربهما! وكانت المفاجأة أن ماركيز وباث نالا جائزة نوبل للآداب بعد الترجمة العربية مباشرة· ولكم أن تتخيلوا دهشة الناشر المحترم و··· أرباحه!

في مجال ترجمة الرواية، لم يكن همي ترجمة كاتب معين بمقدار ميلي إلى تيار كتابي إن صح التعبير· الأدب المتميز بالتجديد والقدرة على الإدهاش وتغيير نظرتنا للواقع، سواء أكان متأتيا من اليابان أم من اليونان أم من أمريكا اللاتينية، وسواء أكان شعرا أم نثرا أم صورة· لذلك لا تستهويني ترجمة الكلاسيكيات الروائية، على أهميتها، فهي بالنسبة لي منجز تاريخي اطلعت على أهم عناوينه ولم تعد فيه مفاجأة الاكتشاف·

كيف هو المشهد الأدبي في تونس اليوم؟

كثير الحيوية، مع فوضى عارمة بسبب غلبة الروح الاحتفالية (المهرجانتية!) ويتميز أيضا بظهور كتابة المرأة···

كيف تنظر لأزمة القراءة في عالمنا العربي؟

هي مشكلة حضارية، بالدرجة الأولى؛ نحن في تبعية استهلاكية· نفضل استهلاك الآخر وما جهّزه لنا· وثمة طبعا ظروف أخرى تربوية، وسياسية تتعلق بنظر السلطات إلى الثقافة وغير ذلك·

كل ذلك أدّى إلى حلقة مفرغة مازال الكتاب العربي ـ  مؤلفًا ومترجمًا ـ يدور حولها: أينبغي علينا أن نترجم حتى نقرأ، أم نقرأ حتى نترجم؟ أم أن المشكلة أوسع من كل ذلك بكثير: نحن لا نقرأ أصلا، ولا ننجح إلا  في الترجمة العشوائية، لأن مشكلتنا مشكلة حضارية أساسا؛ مشكلة تبعية تُسْرع بنا إلى تقليد الأسهل والمريح في مجالات أخرى استهلاكية، مع رفع شعار المنفعة في تقليد الغالب ناسين أو متناسين دور المعرفة في غلبته وفي إشهاره لذلك السلاح الموجه إلى الروح الاستهلاكية·

ماهي مشاريعك الحالية؟

صدرت لي مؤخرا مجموعة شعرية بعنوان / ليل الأحفاد/ عن المؤسسة السورية العامة للكتاب، وعدة كتب مترجمة بين سورية والأردن( أوكتافيو باث، إميل سيوران، جورج باتاي)، ورواية / عتبات الجنة/ في بيروت، وأرسلت برواية / شمس القراميد/ لإعادة طبعها هناك، فهذه الرواية رغم أنها حازت على /جائزة كومار- الريشة الذهبية/، وهي أهم جائزة للرواية في تونس، لم يطبع منها إلا ألف نسخة، حسب الناشر، وحتى عندما نفدت الطبعة كاملة رفض الناشر طبعها ثانية· ويعود ذلك، في رأيي، إلى بعض أمراض الكتاب في تونس؛ فالكتاب، في طبعته الثانية لا يحصل على منحة مساعدة من الدولة!!!

أما غير ذلك، فأنا منكب على روايتي الجديدة التي لا أستطيع الحديث عنها بتاتا ما دامت في الورشة··· وإلا فسد الأمر!

***

الجزائر نيوز- ملحق – الأثر – الأسبوعي


***

مع الروائي والمترجم التونسي محمد علي اليوسفي

محاورة كمال الرياحي

” أتسلّل إلى أماكن جديدة فأحسب أنني بدأت أعرفها . كأن لي جسما مضيئا يشقّ عتمات تراكمت قبله، فتلملم نفسها و تتراكم خلفه من جديد ، تاركة أثرا من ذكرى عبور سابق . لكل منطقة ،أدخلها  للمرة الأولى ،رائحة أولى ،و ألوان،و ضجيج. لكل شارع أكتشفه زوايا لا مرئية تتكتّم منذ الآن و لا تبوح بتفاصيل”رأيت و سمعت” تفاصيل”جئت و عشت” ، تلك التفاصيل التي سوف تفعل فعلها لاحقا و لا تبقى منها سوى ماض هارب تتحرك فيه رائحة مربكة،أطلبها،فلا يجيء بها زمن خارجي.هكذا تندثر الأمكنة أمام عيوننا وهي لا تزال محمّلة ببناياتها و صخبها. كأنما لكل لقاء طبقات حضور فينا،و نحن لا نصادف سوى الطبقة التي نقصدها في مكانها و زمانها.” دانتيلا ص 34

أخيرا حطّ الرّحال في تونس ، موطنه الأصلي الذي تركه منذ ثلاثين عاما  و راح يجوب الآفاق متنقّلا  بين بيروت  و دمشق و قبرص ….متقلّبا بين كتابة الشعر و الرواية و الترجمة و المقال النقدي . بدأ رحلته الابداعية على “حافة الأرض” سنة 1988 أين التقى ب”امرأة سادسة الحواس” في “ليل الأجداد” أثناء ” توقيت البنكا” و تحت ” شمس القراميد” بنى “مملكة الأخيضر ” و عرف ” بيروت و نهر الخيانات” و تأكّد ألاّ لغة خارج “أبجدية الحجارة ” .

هو بلا شك محمد علي اليوسفي المترجم و الشاعر و الروائي التونسي  نلتقيه في في بعض وجوهه ليكون لنا  هذا الحديث عن راهن  الترجمة و مآزقها  و وضع  الرواية العربية و آفاقها .

محمد علي اليوسفي روائيا

1- يقول كيليطو :” إذا أراد المرء أن يتجدّد فما عليه إلاّ  أن يغترب، أن يبدّل مقامه، أن يغرب مثل الشمس ”  لنجعل هذه العبارة مدخلنا لعوالمك الإبداعية و الروائية تحديدا  لنتحدّث عن الغربة و الغرابة و التغريبة. هل يحتاج الروائي إلى أن يغيّر المكان دائما  بحثا عن عوالم روائية  أو عوالم ملهمة ؟ كيف وجدت السفر  انطلاقا من تجربة التيه و الترحال التي تعيشها؟

* في البداية يكون السفر جغرافيا ثم يتحول، مع التجربة والخبرة، إلى ترحال في الروح. أنا لم أسافر قط بدافع من الكتابة سافرت كإنسان في البداية. كنت أطبق المثل القائل إن في السفر سبع فوائد. ربما أدركت بعض تلك الفوائد وحصدت الكثير من الخسائر التي ألتفت إليها ساخرا لأطلق عليها اسما مباركا هو: التجربة! لا أعتقد أن السفر شرط لازم للكتابة لكنه عنصر مهم. ويمكن للمرء أن يكتفي بالسفر ضمن بضعة كيلومترات، كما فعل الكثير من الكتاب، ولم يمنع ذلك تفتق مواهبهم. إلى ذلك لاحظ الكثيرون أنني أكتب عن المكان القريب عندما أكون بعيدا عنه. ذلك ما حصل عندما كتبت رواية “توقيت البنكا” وأنا في قبرص، بينما لم أكتب تجربتي في حصار بيروت إلا بعد سنوات، وفي تونس! ومؤخرا انتهيت من كتابة رواية جديدة أنهيتها في دمشق، رغم أنني سافرت بمخطوطتها المرهقة، الهاربة، سنوات بين عدة عواصم. يبدو في هذه الحال أن هناك مزيدا من شفافية الرؤية عندما تتم عن بعد وبعيدا عن مشاغل الحياة اليومية اللصيقة بالمكان الذي تكتب عنه. وقت السفر والإقامة في بلد غريب لا تكون معنيا “بالجانب الإداري” للمكان، إن صح التعبير.

2- تنهض  روايتك ” توقيت البنكا ” على شخصية عجائبية أو خرافية هي البنكا.  وهي كائن صغير بحجم الإصبع . من أين اقتطفت هذه الشخصية  من الكتب التراثية أم من الحكي الشفوي و الخرافات  التي تسكن قرانا في الشمال الغربي التونسي ؟

* هي من كل ذلك: من حكايات الطفولة، ومن كتب تونسية تراثية ساعدتني كثيرا، وخصوصا كتاب “الأغاني التونسية” لمؤلفه الصادق الرزقي. وهو كتاب لا يقتصر على الأغاني بل جاء قريبا نسبيا من كتاب الأغاني للأصفهاني.

3-  هل  أردت بشخصيتي طارق وزياد أن تعارض شخصية طارق  بن زياد  التاريخية ؟

* في البداية لم أكن أقصد ذلك. وربما لعب الفشل في المكان( وهو أوروبا) دورا في معارضة الحاضر بالماضي إمعانا في المفارقة. حتى أن الشخصية التي تحمل ذلك الاسم كانت مدركة لشرطها التاريخي.

4- هل كانت شمس القراميد تتمة  لتوقيت البنكا  إذ بينهما وشائج كثيرة ؟

* لا أعتقد ذلك. ربما جاء التقارب من عدة عناصر منها التركيز على طفولة الشخصيات وطفولة المكان( أقصد القفز بين قرنين في مجريات الأحداث ) يضاف إلى ذلك التركيز على المخيّلة الشعبية.

5-  يتحدّث بعض النقّاد في الغرب عمّا يسمّونه بأصالة الفكرة. هل استطاع الروائي العربي  أن ينتج أفكارا أصيلة به أم  انه لم ينتج إلا مكرّرا ؟  كيف تقرأ  أصالة الفكرة ؟

* على خطى القول المأثور؛ أقول إن كل الأفكار ملقاة على قارعة الطريق. وربما كانت الأصالة لا تكمن إلا في طريقة صياغتها وإخراجها. لاحظ مثلا كم من الكتاب العالميين قد نجحوا من خلال طريقتهم الأصيلة في ” تقليد” حكايات ألف ليلة وليلة!

6- يقال إن الشاعر فقد  مكانته لصالح الروائي و الروائي بدأ يفقد مكانته لصالح كاتب المحاولة أو المقال . هل تتفق معهم في أننا نعيش زمن المحاولة؟

* كلا! كلهم ضحية الصورة!

7-  يتداخل في شمس القراميد الخطاب الشعري بالخطاب الروائي . متى يصبح الشعر والشاعرية في الرواية مأزقا  بالنسبة لشعرية الرواية ؟ و متى يحقق إضافة نوعية؟

* هذا موضوع يهمني كثيرا: ما أؤمن به وأسعى إليه هو كيفية جعل الشعر متأتيا من شعرية الأمكنة ومن علاقات الشخوص إنْ حبًّا أو كرها( جمالية القبح!) وليس من تدفق رومنسي للغة. ثمة عنصر مهم في الرواية- وإلا كفّتْ عن أن تكون كذلك – وهو الإيقاع؛ إيقاع الأحداث وسيطرة الحكاية بما يشبه الهاجس.

8 ـ يرفع بعض الكتاب اليوم أسماء لأجناس هجينة  مثل  ” الرواية الشعرية ” أنت المتقلّب بين الجنسين : الشعر و الرواية  هل تؤمن بهذه التصنيفات و التلوينات ؟

* مصطلح ” الرواية الشعرية” موجود ومعترف به. ومن أبرز الذين نظّروا له إيف تادييه. المشكلة في النتائج التي تخرج بها التطبيقات، وأبرزها الثرثرة اللغوية التي تتعلل بالشعر. لابد من مبرر لكل جملة شاعرية يجعلها في خدمة الأحداث والشخصيات والعلاقات التي بينها، فضلا عن سبر لاوعيها بما يخدم طريقة أفعالها الواعية.

9- تقيم اليوم و لو بشكل مؤقّت في مدينة الورود أريانة. هل يمكن للمدن الهادئة و مدن الورود أن تكون فضاءات نموذجيّة لروايات عظيمة؟ أليست تلك الفضاءات شعرية أكثر منها روائية ؟

* لا أجد شعرا في أريانة. ولا أشاهد وردا. أرى الإسمنت والطرقات والسيارات. مرة غضب مني صديق أصيل أريانة لأنني قلت له مثل هذا الكلام. سوء التفاهم نجم عن كونه كان يتحدث عن ذكريات طفولته في أريانة، بينما كنت أتحدث عن مستقبل طفولته: أي الحاضر. وفي الواقع لا أستطيع الكتابة في مكان جميل لأنني وقتها أعيش فيه. قد يشحنني لاحقا فأتأهب لإغلاق ستائري وأجنحتي.

10- كانت بيروت الحرب الأهلية مدينة للثقافة، هل يعني هذا أن الثقافة يمكن أن تزدهر في ظلّ خراب العمران؟

* الأسوأ ليس خراب العمران، بل خراب الأرواح. قبل الحرب الأخيرة كنتُ في بيروت ولاحظت كم كانت، وأهلها، قادرين على النهوض من الخراب. بلدان عربية كثيرة لم تنهض من شيء، رغم أنها لم تعش خرابا للعمران. اسأل يا أخي عن خراب الأرواح في البلدان ” المطمئنة “، المغلقة على عمرانها الخانق وبشرها المخنوق.

***

محمد علي اليوسفي مترجما

***

1-  يوصف  المترجم بأنّه ” يد ثانية ”  مقارنة بأصالة المبدع. هل تشعر بهذا وأنت تغادر  قلعة الإبداع الشعري و الروائي إلى الترجمة ؟

× يمكن الحديث عن الترجمة باعتبارها “فعلا ثانيا” مستقلا عن الكتابة الشخصية بوصفها كذلك. ويمكن بالأحرى القول إنها “يد ثالثة!” ففيها وبواسطتها يأتي اطلاع جديد ومعرفة جديدة ومعاشرة لشخص آخر: هو زميل آخر يشبهنا أو يفوقنا. في الترجمة ـ عدا الوساطة والتوسط ـ ثمة معايشة حميمة للحظة الكتابة الأصلية لدى الكاتب الأول أو المؤلف الذي نترجم نصه. الترجمة تعادل قراءة النص نفسه عشرات المرات والتمكن من اكتشاف التفاصيل التي تخص المؤلف وأسلوب التأليف عنده؛ لذلك أجد أن الأصعب في ترجمة أيما كتاب يكمن في الصفحات العشر الأولى تقريبا: بعدها تتم معايشة الأسلوب وطريقة تركيب الجملة وما إلى ذلك، وقد يصل بك الأمر إلى اكتشاف أسرار الكتابة لدى المؤلف…

في الترجمة أيضا، كما خبرتها، مرحلة من مراحل الاستراحة من الكتابة الشخصية ومعايشة لأجواء أخرى تضنينا وتفيدنا في آن؛ تضنينا لأنها تتضمن جوانب تقنية وطول مثابرة وانتباه وأمانة؛ وتفيدنا لأنها تمكننا من القراءة الكثيفة والمعمقة، ومخالطة أساليب كتابية جديدة.

والترجمة تتفوق علينا أيضا: فالكتاب المترجم أهم من كتاباتنا العربية عادة، سواء لدى الناشر أم لدى القارئ. والناشر في هذه الحال مستعد للدفع أيضا!

وقد يكون في مغادرة الكتابة إلى الترجمة تنويع واستراحة لمن يمارس العمليتين معا؛ أي الكتابة والترجمة.

2- يرى كثير من المنشغلين بحقل الترجمة  أنّها  لا عفويّة و أنها تنطلق  من خلف موقف إيديولوجي  محدّد. ما هي دوافع محمد علي اليوسفي  للترجمة؟ كيف تختار نصوصك؟ هل هي الجمالية؟ وهل يمكن  للجمالية أن تكون إيديولوجيا ؟

× بالتأكيد! الترجمة لا تكون عفوية أبدا. ففي الحد الأدنى يسبقها اختيار وميل وقصد… ووراء كل ذلك موقف، والموقف لا بد أن ينبثق من منطلقات فكرية وجمالية هي في المحصلة منطلقات إيديولوجية سواء أكانت واعية أم لاواعية. يبقى أنه لا بد من التفريق بين الخيار الإيديولوجي والسياسي المباشر ( وهذا هدفه آنيّ ونفعي خالص) وبين الخيار المنبثق من أهداف جمالية لا تخلو من خدمة الإيديولوجيا؛ بل إنها تسعى إلى عدم ترك الغلبة لها: أقصد الابتعاد عن التبشير و”البروبقندة” المرحلية؛ وهنا يتنافر الفن مع الإيديولوجيا في المرحليّ والإستراتيجي!

والفرق بين الفنيّ والسياسي يكمن طبعا في النظرة الإستراتيجية أولا؛ وفي تغليب ما هو فني على ما هو تكتيكي أو تبشيري بتيار سياسي معين.

شخصيا أنطلق في ترجمة النصوص بطريقتين: الأولى تكون اقتراحا من الناشر وهي نادرة ومدعاة للريبة. ولا يمكنني الموافقة على ما يقترح إلا بعد تفاعلي مع النص. والمرة الوحيدة التي لم تكن مدعاة للريبة أو التردد حدثت مع ترجمة سيرة كازنتزاكي “المنشق”.

والطريقة الثانية هي أن أرشح الكتاب بنفسي. وفي هذه الحال قد أصطدم بالناشر وذوقه ودرجة اطلاعه. وفي هذا المجال لاقيت الأمرين في نشر عملين لكاتبين عالميين هما ماركيز وأوكتافيو باث. بالنسبة للأول لعب أسلوبه الصعب دورا في رفضه كما أنهم كانوا لم يسمعوا به بعد؛ وبالنسبة للثاني فقد طفْتُ به على دور نشر أربع فلم تنشر المختارات التي ترجمتها إلا دار نشر حديثة التأسيس وبعد توسط شاعرين صديقين لدى هذه الدار التي أنشأها أحد أقاربهما! وكانت المفاجأة أن ماركيز وباث نالا جائزة نوبل للآداب بعد الترجمة العربية مباشرة. ولك أن تتخيل دهشة الناشر المحترم و… أرباحه!

3- يقول الكسندر بوشكين :”  المترجمون  خيول بريد التنوير” هل مازال المترجم  يحمل هذا الوجه؟  في ظلّ تملّص كل الكتاب  من شعراء و روائيين و مسرحيين و سينمائيين  من قضيّة الرسالة التنويرية وأصبحوا يرفعون شعار الفنّ للفن؟

× حتى في ادعاء نظرية الفن للفن ثمة تنوير ما! إن ادعاء الفن للفن قد يقدم ما هو أفضل من رداءة الواقعية عندما يبلغ معها الإسفاف حدودا صارخة. في فعل الترجمة اطلاع حاصل وإن لم يعد كافيا وحده في هذا العصر. انتشار اللغات الأجنبية، وإن بشكل محدود، هو في حد ذاته جزء من عملية الترجمة. فما بالك بالإنترنت وما إلى ذلك!

لقد تداخلت الفنون وتشابكت، وهاهي تجد نفسها في معترك تشتد فيه المنافسة ويضيق فيه الإقبال؛ ولم يعد للنص المكتوب ذلك الوهج ” التنويري” الممكن. ظل مقتصرا على النخبة، واشتد الحصار عليه. حتى الفنون الأخرى تشهد مثل هذه المنافسة فيصل بها الأمر إلى النظر في المرآة لتأمّل وجهها: إنه تأمل لا يخلو من توغل في التهمة المزدراة؛ تهمة الفن للفن. وهي على أية حال، تهمة قابلة للجدل وربما الدحض. وقد نكتفي بالقول إنها نسبية في درجاتها وصفائها.

4- هل كل ما يترجم اليوم صالح للقراءة ؟ وهل نحتاج إلى مؤسسة  تقنّن هذا الحقل وتضع له حدودا وتخرجه من هوى المترجم و مزاجيته ؟

لا يقتصر الأمر على هذه الفوضى الفردية فحسب: هناك فوضى مؤسساتية أيضا تعكس بدورها مثل هذه الفوضى في الترجمة. فكم من عنوان يترجم ثلاث مرات في الفترة نفسها وكم من مؤسسة تنشأ مبشرة بحل مشاكل الترجمة فتسقط في منزلقاتها.

فإلى جانب اهتمامنا بالترجمة، والحديث عنها في الكثير من المناسبات، لا تكاد تمر فترة من الزمن حتى نسمع بالإعلان عن نشأة مؤسسة جديدة متخصصة في الترجمة. وحتى في وقت الإعلان عن الولادة الجديدة لتلك المؤسسة يكون غيرها من المؤسسات قد أعلن عن عقد مؤتمرات وندوات ولقاءات تتعلق بالترجمة وشجونها.

فبعد الجهود التي تولتها المؤسسات الرسمية ووزارات الثقافة، جزئيا، وكذلك جهود دور النشر الخاصة المتسمة بالفوضى وتردي مستوى الترجمة وعدم التنسيق،  برزت في السنوات الأخيرة ظاهرة توجه الثروة المالية إلى الانفتاح على المشاريع الثقافية بما فيها مجال الترجمة.

كثرة المؤسسات المتخصصة في الترجمة تعكس إدراكا لأهميتها من جهة، واعترافا صريحا بتخلف العرب في هذا الميدان. ولقد بات من المعروف للجميع مدى الفضائح التي تكشفت عنها الإحصائيات العالمية الأخيرة الصادرة عن اليونسكو وعن عدد من الهيئات العربية حول مرتبة العرب بالنسبة لعدد الكتب المترجمة سنويا، قياسا ببلدان أخرى أقل سكانا، سواء من البلدان المتقدمة أم من تلك التي لا تُعدّ بعيدة كثيرا عن البلدان العربية في تصنيف العالم الثالث، على غرار بعض دول أمريكا اللاتينية مثلا.

غير أن كثرة المؤسسات ـ إن سلّمنا بكثرتهاـ لم تبرهن على تحسن في أحوال الترجمة، كمًّا ونوعًا؛ بل يمكن الحديث عن تراكم كمي مؤسساتي أكثر من التراكم المعرفي. يضاف إلى ذلك إصابة تلك المؤسسات بآفة الاحتفالات الرسمية والوجاهية. لذلك كثيرا ما نسمع شكاوى المثقفين من تغييبهم في شأن يعتبرونه شأنهم أولا وأخيرا، بينما يتم الاحتفال بالوجوه الرسمية التي يكشف حضورها المكثف عن آلية عمل هذه المؤسسات.

ما تشكو منه الترجمة في البلدان العربية ليس غياب المؤسسة بل أساليب عملها وإدارتها ونوعية سلطة الإشراف فيها. ولا بد من التأكيد على نقطة مهمة تتعلق بمدى ارتباطها ـ خارج عزلتها وطابعها الرسمي ـ بما يريده القارئ العربي الذي تتكلم هذه المؤسسة باسمه وباسم احتياجاته المعرفية.

حلقة مفرغة مازال الكتاب العربي ـ  مؤلفًا ومترجمًا ـ يدور حولها: أينبغي علينا أن نترجم حتى نقرأ، أم نقرأ حتى نترجم؟ أم أن المشكلة أوسع من كل ذلك بكثير: نحن لا نقرأ أصلا، ولا ننجح إلا  في الترجمة العشوائية، لأن مشكلتنا مشكلة حضارية أساسا؛ مشكلة تبعية تُسْرع بنا إلى تقليد الأسهل والمريح في مجالات أخرى استهلاكية، مع رفع شعار المنفعة في تقليد الغالب ناسين أو متناسين دور المعرفة في غلبته وفي إشهاره لذلك السلاح الموجه إلى الروح الاستهلاكية.

– هل هناك فرق بين قيمة ما يترجم في المشرق و ما يترجم في المغرب ؟

ثمَّة انطباع، في المغرب العربي، يزعم أن “الشرقيين”، أو “إخواننا المشارقة”، لا يجيدون الترجمة. وبالتالي فإنه لا يمكن الوثوق بالترجمات الكثيرة التي ترد علينا من لبنان وسوريا ومصر خاصة.‏ هذا الزعم المعمًّم، يكون أكثر رواجاً في الأوساط الجامعية. وقد يجد استثناءات قليلة مثل الاعتراف بجودة الترجمات التي تركها الدكتور سامي الدروبي أو غيره.‏

وبالنظر إلى أن بلدان المغرب العربية هي بالأحرى بلدان القلّة والاستثناء، إذْ كثيراً ما يلفت الانتباه فيها مفكّر واحد، أو شاعر وحيد، أو مخرج عالمي لا يتكرّر، فإنّ ذلك الاستثناء يلعب دوراً مهيّجاً في حرب غير معلنة على الشرق.‏ إنها حرب الأطراف، التي بدأت ولم تنته، على المركز، ولو بجندي واحد، أو بفرقة صغيرة من المشاة.‏

لعب الازدواج اللغوي، غير المتوازن عموماً، دوراً مهمّاً في كشف مغالطات المترجمين المشارقة (لا تعجبني هذه الكلمة ـ المصطلح ومع ذلك استخدمها بسياقها المعبّر عن الذات وهي تتحرّك ضامنة مسافة ابتعاد عن موضوع أحكامها: المشارقة). وهذا الازدواج اللغوي تحرّك، ويتحرّك ضمن اللغة الفرنسيّة وحدها ـ مع قليل من الإسبانية في المغرب والإيطالية في ليبيا. أي أنه تحرك ضمن إمكانية الرصد والمتابعة والمقارنة.‏

هكذا، وكما يقول المثل الشعبي فإن “المتفرّج فارس” والذي لا يترجم كثيراً، أو لا يترجم بالمرّة، ينتقد من يترجم كثيراً، لكنها ترجمات سيئة.‏ ونذكر في هذا السياق، حتَّى لا نتورط أكثر في الترجمات ذات العلاقة بالعلوم والعلوم الإنسانية، تلك الزوبعة التي حرّكها مترجم تونسي، هو علي اللواتي، الذي قرر أن يكون مترجماً بسبب أخطاء أدونيس في ترجمة أعمال الشاعر الفرنسي الكبير سان جون بيرس. وبعدها لم يعد إلى الترجمة في حدود علمنا.‏

وفي مثل هذه المبارزات يكون الفعل “ترصّديا” استثنائياً بالضرورة. وتكون النتيجة: توافر الدقّة مقابل غياب الجماليّة! (إنما الحكمة لواحد).‏ دقة الترجمة تأخذها إلى طرح المسألة بوجهيْها. أو لنقل بشطريها المشرقي، والمغربي.‏ أذكر أن بطل رواية “المسرّات والأوجاع” لفؤاد التكرلي، أحسّ بحاجة إلى النوم، فتناول كتاباً مغاربيّاً مترجماً ليقرأه قبل أن ينام! وقد وُوجه التكرلي بسؤال احتجاجي حول هذا الموضوع، في برنامج تلفزي تونسي، فتخلّص من الإحراج بإجابة مراوغة تنكّبت الفكاهة!‏

من المعروف أن إجادة اللغة المنقول منها، لا تكفي لخلق نص مترجم جيّد، إذا كانت اللغة المنقول إليها، وهي هنا العربية، تشكو من فقر، أو ضعف، أو بالخصوص، من غلبة أحد طرفي المعادلة الازدواجيّة لغويّاً. وهكذا يأتي النص العربي ثقيلاً، دقَيقاً، وفيّاً وفاءً أعمى للأصل، أي أنه لا يتمكن من أن يصير نصّاً عربياً، أو معرّباً.‏ في الترجمة “المغاربية” يكون الفهم الأوّلي للنص الأصلي دقيقاً. أمَّا التشويش فيظهر في النص المعرّب.‏ وفي الترجمة “المشارقية” (المشرق مشارق كما هو المغرب مغارب!) تكاد عيوب الفهم تختفي لتوافر طلاوة اللغة المنقول إليها (أي العربية) وإن كان ذلك على حساب الدقة أحياناً.‏

– ما هي مزالق الترجمة المغاربية و مشاكلها ؟

– في الترجمة المغاربية نجد أن هناك من جهة، مشكلة هيمنة اللغة الفرنسية التي من المفترض أن النقل والترجمة يتمّان عنها، في الدرجة الأولى، مقارنة باللغات الأخرى. مع العلم أن هيمنة اللغة الفرنسية وانتشارها المتجدّد (خوفاً من العولمة) لم يتركا آثاراً في النص المترجم وحده، بل في نسق الجملة العربية نفسها، كتابةً.‏ ومن جهة ثانية يأتي النص المترجم عنها، أي عن اللغة الفرنسية، نصّاً هجيناً صعب القراءة أو الهضم، لأسباب متعددة، تتجاوز ما ذكرناه آنفاً، إلى أسباب

أخرى يمكن محاولة حصرها في ما يلي:‏

ـ كثرة المصطلحات المتأتية من اجتهادات شخصية غير متفق عليها بنوع من الإجماع.‏

ـ إثقال النصوص المترجمة بإيراد التعابير، وأحياناً الجمل، والمصطلحات الفرنسية، بلغتها، خوفاً من مجانبة الدقة أو عدم إيصال الفكرة باللغة المترجم إليها.‏

ـ مسايرة النص الجديد، الناجم عن الترجمة، لبنيْة النص الأصلي من حيث الصياغة، وبناء الجملة، والترجمة الحرفية أحياناً.‏ فتكون النتيجة أننا أمام نص مترجم أصعب من النص الأصلي في مجال التقبل والفهم (لمن يجيد لغة النص الأصلي) وأجيز لنفسي القول، في هذا السياق، إنَّ قراءة جوليا كريستيفا، وأمثالها، في اللغة الفرنسية، أسهل عليّ بكثير، من محاولة فهمها في ترجمة مغاربية.‏ وحتى لا نظلم المترجم جزافاً، قد نجد له عذراً خفيّاً يكمن في صعوبة نقل مناخ نقدي جديد إلى لغة لم “تتربَّ” عليه أو فيه!‏ وهكذا يتفرّع النقد المغاربي إلى وجهَين:‏

ـ لغة النقّاد الناقلين لجوليا كريستفيا وأمثالها، مع “تعالٍ” عليها، وانتقاد لها، أحياناً، خصوصاً لدى النقاد الجامعيين الشباب!‏

ـ لغة النقاد المتبجّحين بالجملة العربية التراثية ومصطلحات القرن الرابع الهجري مثلاً.‏

وبمقدار ما تزداد الترجمات المتعلّقة بالنقد والمدارس النقدية، وكذلك العلوم الإنسانية، تنتفي، أو تكاد، ترجمة الأعمال الإبداعية.‏

وثمَّة انطباع لدى الناشرين “المشارقة” أن القارئ المغاربي لا يحب الكتب المترجمة. وهو انطباع سريع، يتطلّب التأنّي والتحليل. فما هي نسبة مطالعة الكتاب المحلّي والعربي أوّلاً؟ وإلى أيّ مدى يمكن التعميم والقول إنَّ جميع القراء يطالعون، أو هم قادرون على المطالعة بالفرنسية مباشرة، يمكن، فقط، حذف الفرنكوفونيين وحذف من يجيدون اللغات الأصلية المترجم عنها، من المجموعة الضئيل أصلاً، ليتحرّك الكتاب الإبداعي في مجال ضيق.‏

وهذه الأحكام لا تنطبق حصراً إلاّ على الكتب الإبداعية نظراً إلى أن المؤلفات ذات الصلة بالنقد والعلوم الإنسانية تجد احتياطيّها من القراء، لدى الطلاب الذين يترجم لهم الأساتذة في المجال الأوّل. فالكتاب في المغرب العربي، يضمحّل متراجعاً إلى دائرة الاختصاص، أكثر. وفي هذا المجال يمكن الإشارة إلى آفة مغاربية بامتياز. وهي “الكتب الموازية” أي الكتب الأدبية المواكبة للمناهج التدريسية سواء في المرحلة الثانية أم في الجامعة.‏

– و ماذا عن المترجم المشرقي و هفواته ؟

– قلنا إنَّ إجادة اللغة العربية، كثيراً ما توفّر للمترجم المشرقي “الحاوي” غطاءً لستر عيوبه، عيوب الترجمة، فالكثرة هنا لا تجيد اللغة الأجنبية التي يجيدها. وهو قد “يفهم عن” القارئ، وينقل أفكار الآخرين كما فهمها.‏ وبعيداً عن التعميم ينبغي التمييز بين ترجمة تقدّمها دار نشر خاصة، وأخرى تصدر عن جهة لها مدقّقون ولجان قراءة ومراجعة.‏ ولا شك أنه لا يجوز المقارنة بين ترجمة تصدر عن وزارة الثقافة السورية مثلاً، وأخرى عن مؤسسة دار الهلال في مصر.‏ سقت هذا المثال بمناسبة قراءة متأخرة لرواية آن تيلر “دروس التنفّس” الحائزة على جائزة بوليتزر سنة 1989 والصادرة عن دار الهلال سنة 1991 بترجمة عبد الحميد فهمي الجمال.‏ في هذه الترجمة، لم نعد أمام أحد “الحواة” القادرين على ستر عيوب الترجمة بلغة عربية سليمة.‏ فإلى الأخطاء المطبعية التي تحفل بها كتب دار الهلال، إذا لم يواكبها مؤلفها برعاية خاصة، نجد نوعين من النّكد… ولهما ثالث.‏ النكد الثالث متأتّ من طبيعة الجملة العربية وهي تسير بقدرات إنكليزية.‏

النكد الثاني، ادّعاء المترجم، ممارسةً، إنَّ الكلمات الأجنبية المستخدمة في العامية المصرية، ذات أولوية، كما يفعل كتّاب مصريون آخرون، أولهم أدوار الخراط.‏

وهكذا نقرأ: الفيرندا، البلكونة، الموتور، الكوبون الروب، البنسيون، الكاونتر، البوكيه إلخ…‏

وكأنّ “باقة ورد” أصعب من “بوكيه ورد” لمن استطاع الصبر على قراءة رواية باللغة الفصحى!‏

أمَّا النكد الأوّل فهو أن تقرأ أخطاء يستطيع تلميذ ابتدائي تجاوزها بقليل من المران والرعاية والتوجيه، على غرار “عيناها الزرقاوتان!! (نعم! راجع الكتاب).‏

أيجوز بعد ذلك لوم مذيعات نشرات الأخبار، في المحطات الفضائية العربية، التي ينشر الفضاء غسيلها المحلّي؟‏ أم أن هذا مجرّد استثناء، يبني عليه مغاربيّ آخر، أحكامه؟‏

5-  لماذا اخترت ترجمة المنشق كازانتزاكي مثلا ؟

× في الواقع، وكما أشرت سابقا، لم تكن ترجمة المنشق انطلاقا من اختيار شخصي؛ فقد كان المجمع الثقافي في أبو ظبي ينوي إقامة أسبوع احتفالي بالكاتب اليوناني الكبير نيكوس كازنتزاكي، وتم الاتصال بي لترجمة هذا الكتاب الذي ألفته زوجته باللغة الفرنسية مباشرة. فوافقت طبعا، خصوصا وأن ترجمته تتضمن إنصافا مزدوجا، أدبيا وماديا؛ وتلك حالات نادرة حقا!

6-  هل يمكن للترجمة أن تمثّل خطرا على هويّة اللغة التي تترجم إليها وهوية متكلّميها؟

× خطر؟ وماذا نقول عن فعل الشارع، ووسائل الاتصال الحديثة، وتفضيل اللغات الأجنبية في البيع والشراء والدعاية وتربية الأطفال على أيدي شغالات مستوردات و… و… و…

ألم يبق لتدنيس اللغة إلا الترجمة؟ يتم الحديث عن مثل هذا الخطر في مجال الشعر؛ وقصيدة النثر تحديدا؛ لكنها مقدسات زائفة مازالت تتعلق بالمكتوب ولا تكترث للمخاطر الحقيقية التي تأتي بها الصورة والشبكة العنكبوتية وغير ذلك. وحتى ما ذكرته سابقا من استخدام للكلمات الأجنبية في الترجمات المصرية لا يأتي في اعتقادي من الترجمة في حد ذاتها، بل من اختيار واع بشرت به الكتابة قبل الترجمة كما في مثال ادوارد الخراط. والسبب في زعمهم هو محاولة الاقتراب من نبض الشارع والاستخدامات السائدة فيه! وهو ادعاء مغلوط يتطلب ـ إنْ نحن سايرناه  إلى النهاية ـ  اعتماد نبض الشارع بالتمام والكمال أي الكتابة بخليط من العامية المتداخلة مع اللغات الأجنبية الدخيلة، فضلا عن الفصحى…

7- هل ساهمت  ترجمة الروايات العالمية حسب رأيك و انطلاقا من تجربتك في تطوّر الرواية العربية أم دفعت الروائي العربي إلى استنساخ أشكال تلك الروايات وترديد تيماتها؟

× في كل الأحوال لسنا أمة رواية؛ وكان لابد من الاستنساخ والتقليد كما تفعل كل الأمم التي تكتشف شيئا ينقصها. هذا ما فعله الحكيم وطه حسين ومحفوظ والمنفلوطي وغيرهم وكانوا يؤسسون فيما هم يقلدون أو يستنسخون. الترجمة المعاكسة التي تمت في الغرب أدت بدورها إلى مثل هذه العملية. وهاهم لا يكفون عن تقليد “ألف ليلة وليلة ” مثلا، من القرن السادس عشر الى بورخس وباولو كويلهو…

الترجمة  لم تساهم في تطور الرواية العربية فحسب بل كانت السبب وراء تأسيسها أيضا.

8-  هل فعلا يبقى تطوّر اللغة العربية رهين حركة جدّية للترجمة ؟

أصحاب هذه الرأي يرون أن الحاجة أم الاختراع و أن الترجمة ستدفع المترجم و اللغوي إلى الاجتهاد بحثا عن بدائل للمصطلح الغربي و هذا سيحرّك المياه اللغوية الراكدة للعربية و يبعث فيها دماء جديدة؟

× تطور اللغة العربية متوقف على تطور أهل اللغة العربية. أما الترجمة فهي جزء من كل، ولعلها لم تعد كذلك إن نحن أخذنا بالاعتبار تفشي البدائل المتمثلة في تبني لغة المستعمر بنسبة قد تتجاوز الخمسين بالمائة كما هو الأمر في البلدان المغاربية ـ ماعدا ليبيا ـ وكذلك بلدان الخليج. لغة “البزنس” والعولمة لم تعد العربية!

9- ربّما يكون مشروع جورج طرابيشي  ترجمة أعمال فرويد  وأدبيات التحليل النفسي في وقت من الأوقات ورّبما ارتبط مشروع هاشم صالح باستعادة فكر محمد أركون… أي مشروع يتّخذه محمد علي اليوسفي ضمن انشغالاته بالترجمة؟

المثالان المذكوران يختصان بمشاريع فكرية تحديدا وهي مشاريع تتطلب ممن بدأها أن يستكملها. في مجال الأدب، وهذا اختصاصي، لا يمكن التحدث عن كاتب واحد بل عن تيار كتابي إن صح التعبير. الأدب المتميز بالتجديد والقدرة على الإدهاش وتغيير نظرتنا للواقع، سواء أكان متأتيا من اليابان أم من اليونان أم من أمريكا اللاتينية، وسواء أكان شعرا أم نثرا أم صورة. لذلك لا تستهويني ترجمة الكلاسيكيات الروائية، على أهميتها، فهي بالنسبة لي منجز تاريخي اطلعت على أهم عناوينه ولم تعد فيه مفاجأة الاكتشاف.

10- اتّهم المنفلوطي بالسطو على أعمال غيره في وقت من الأوقات من خلال تلك الاقتباسات. كيف تقيّم ما أقدم عليه المنفلوطي وفق  النظرة الجديدة للترجمة و حقوق المؤلّف؟

×المنفلوطي تصرف مثل تراجمة العهود السحيقة. ذهب إلى الحج فعاد بعلوم الآخرين قائلا إنها علومه من دون تنكر لمن تتلمذ عليهم!  لقد أخضع المستورد لما يمكن أن يُستهلك أو يُهضم! شغفنا به في مرحلة وتنكرنا له لاحقا إنه يشبه صورة الأجداد.

11- ما رأيك في المثل القائل :”  الترجمة كالمرأة . إذا كانت جميلة فهي غير أمينة . و إذا كانت أمينة فهي غير جميلة “؟ أين تضع ترجماتك في خانة الجمال أم في خانة الأمانة ؟

× في هذا القول تعميم وظلم للمشبه والمشبه به!

شخصيا لا أستطيع تقويم ترجماتي استنادا إلى هذا المقياس. غير أنني أميل كثيرا وأسعى جاهدا إلى التوفيق بين الجمالية والأمانة؛ لذلك أمقت مصطلح التعريب وأفضل عليه مصطلح الترجمة، ولا أتوانى عن اللجوء إلى الترجمة الحرفية عندما أرى أنها لا تضر بالنص المنقول إلى لغته الجديدة الحاضنة ، لكن من دون حماقة آلية.

12- هتف أنطون مقدسي يوما بالمترجم أنطون حمصي عندما همّ بترجمة رواية “حديقة النباتات” لكلود سيمون قائلا :” لا تقترب من كلود سيمون ،إنه  الكاتب الذي لا يترجم ” و مع ذلك ترجم الرواية .

ما هي الرواية التي تمنّعت على محمد علي اليوسفي ورفضت أن تترجم إلى العربية بسهولة؟ و ما هي أوجه الصعوبة في شكلها أم في مناخها أم في لغتها ؟

×

التمنع في رأيي لا يأتي من النص في حد ذاته، انطلاقا من رؤيتي للترجمة، كما ذكرت بعض أركانها لتوّي، بل من المتلقي الذي قد يفسر صعوبة فهمه للرواية المترجمة بقصور لدى المترجم. وهذا ما حصل لي مع ترجمة ” خريف البطريرك ” لماركيز في بداية الثمانينات. فمن المعروف أن غابرييل غارسيا ماركيز كتب روايته بلغة شعرية تفوق لغة رواياته الأخرى، كما استخدم الأسلوب الدائري الخالي من الفقرات والتنقيط والحوار للبرهنة على دائرية الزمن المغلق تحت الحكم الدكتاتوري. كل ذلك حُسب على المترجم في البداية!

وهذا ما يفسر لجوء مترجم آخر للرواية نفسها إلى ” تشذيب النص ” وإعادة توزيع فقراته وحواراته في ترجمة صدرت لاحقا في بيروت؛ إنه مترجم وفيّ لجدّه المنفلوطي!

لم تتمنع عليَّ ترجمة كتاب معيّن بقدر ما وجدت الكثير من التحدي والتعب وفرحة الاكتشاف واللقى الجميلة، كما لو كنت كاتب النص!

13- انشغلت رواية أمريكا اللاتينية بصورة الدكتاتور ونجحت في حين فشلت التجارب العربية لمقاربة تلك الصورة ما هي أسباب هذا الإخفاق و ذلك النجاح حسب رأيك ؟

× هذا السؤال مهم؛ ولعل أهميته تعادل صعوبة المجازفة بمحاولة إيجاد إجابة سريعة وحاسمة الآن! سؤال يتطلب النظر والتمحيص والدراسة؛ أعتقد أنها ستكون دراسة سوسيولوجية ونفسية وأدبية وتاريخية في آن … دراسة ذات أبعاد دينية أيضا، لِمَ لا؟ خصوصا في ما يتعلق بنظرتنا اللاتاريخية للفرد والحكم المنزل وإطاعة أولي الأمر وما إلى ذلك…

ومن العناصر المهمة التي نجحت بها رواية الدكتاتور في أمريكا اللاتينية قراءة الواقع انطلاقا من آثاره وظلاله الفانتازية وليس انطلاقا من تسجيله بطريقة آلية كما تفعل الرواية المسطحة؛ أي اعتبار الواقع أكثر تعقيدا وتخييلا من تمظهره الفيزيائي المعطى!

14- ما هي الفروق الكبرى بين الرواية اليابانية ورواية أمريكا اللاتينية  كما لمستها  خلال ترجمتك لنماذج من هذه الروايات ؟

* رواية أمريكا اللاتينية غابة، بل هي أدغال؛ و الرواية اليابانية حديقة  تعتمد النمنمة.

***

Screenshot_2 doroob

حوار مع الشاعر والروائي والمترجم محمد علي اليوسفي

وليد الزريبي

الأحد,آذار 25, 2007

   العالم كتلة روائية خالصة. قبضة سارد خشنة تنزلق عميقا، على بطنها، لدغدغة صرّة العالم. فعل الطيران لا يعني العلوّ مطلقا.( على نطاق ضيّق، انتفاخ الحكاية سؤال ” شعريّ “، بينما تتدفّق الكلمات من السّقف، حتّى البلل الفاضح). الكسر الخلاسي حشو لغوي ينتهي حتما بعملية قيصرية. التضحية بالأسئلة مطلب إبداعي كشرط حياة النص. الشعر إجهاض دائم، الوردة، المنشق، البيت الكبير، المدائح، شمس القراميد، حافة الأرض، تحت شجرة. القصيدة كأس الحنّاء. الوحام هو النثر. العالم حزمة من الشعر الخالص. صباح يُسمع من بعيد.كعوب عالية تُتمتم باستمرار، لإغاظة العالم. فعل الاستدراج لا يعني الرغبة على الإطلاق. ( على نطاق واسع، انكماش اللحظة كفائض ليلي واسع شأن حبري ناعم، بينما المناقير تنهض متثائبة من خاصرة امرأة مكسورة الليل ). الوقت إسهال لغوي غامض. التكثيف رغبة مشبوهة. القصيدة حرية مشروطة غير معنية بالتباس مفهوم الطيران، بيان عاطفي بحجم القلب. الرواية واقعة الوقائع، انبهار فاضح، متواليات المتن، التحويل قسرا، سقيفة بني سعده، من النهر إلى النهر، الخياطة الصينية الصغيرة، توقيت البنكا، حكاية بحار غريق، مملكة الأخيضر، مدائح النور، خريف البطريرك، ناراياما، مملكة هذا العالم، امرأة سادسة للحواس، ليلة طويلة جدا.. السرد غصن اصطناعي أعزل. الشعر منقار أخضر.هل علينا أن أعبر القلب في هذا الطّريق، حيث سيقان الأمطار المجروحة انقلاب أبديّ؟ أعضّ الأصابع المخمورة.. أصابع عمر الفجر، شماتة الأغاني مدهوسة في الطّريق حتّى الينابيع. أصفّق مع حرّاس اللّيل، مع “امرأة سادسة للحواس”، مع ضفائر الرّيح، ضفائر الظّلال. ضجّة الحلم، لعنة دموع مخترقة ضفافي حتّى الأظافر، مع طفحة من الحزن وغربة الغيم. في النص ثغر الشّموس العطشى في خطواته كسور الذّاكرة. ثمة قباب لم تعرف بعد أجراسها، نوافذ مشرعة أرجأت طفولتها الوارفة، ثمة أرض تصل فجأة حتّى الشوارع. أوّل الفجر قبل أن يورق الندم من أصابعها، متأخرا مثل الخطى، سوف تنحدر الذاكرة ضجة خالصة لا ظلّ لها. خضراء هي الأعشاش، لعنة الحقول فوق أحجارها. لا حلم يفضي إلى الوطن القديم. لا بحر كي تهدأ هذه الخيول فوق النوافذ. لا رماد أو ضفاف.. فقط كان ضحك الأطفال يعلق في صمته غبار المنافي ويغفو حتى النهاية. ومهما يكن من أمر، فإن امتزاج رغباتنا وشغف تماهيها مع تجربة ضيفنا، يعني أننا أمام مشروع إبداعي صدامي، دقيق وحاد. وهكذا فإن نتيجة للهاثنا الناجم عن تسلق الطفولي فينا، لتلك السلالم العالية التي تمنحها الأقمار للمترجم ” تفترض احتمال الانزلاقات الصغيرة أو السقوط المدوّي” على حدّ تعبير ضيفنا. وهو ما يتجلى في كتابات محمد علي اليوسفي، وفي روايته (توقيت البنكا) تحديدا، وهي الرواية التي تندفع بوضوح باتجاه الانسلاخ التام عن السائد السردي إلى النثر العالي، التي يتصف بها الكاتب ذاته. غير أن الفارق بين الراوي والمرويّ يظلّ فارقا قائما.

وفي مقابل ذلك، نعرض سيرة الرجل:محمد علي اليوسفي من مواليد مدينة باجة التونسية 3 مارس 1950. درس المرحلتين الابتدائية والثانوية بتونس ثم سافر إلى الشرق العربي حيث أتم دراسته الجامعية في جامعة دمشق وتخرج في قسم الفلسفة والعلوم الاجتماعية. تابع الدراسات العليا في الاختصاص ذاته بالجامعة اللبنانية خلال الحرب الأهلية. وفي الأثناء مارس الترجمة والكتابة والصحافة الثقافية في أبرز الصحف والمجلات السورية واللبنانية والفلسطينية. عاد إلى تونس ليستقر بها بعد عشرين عاما أمضى ثمانية منها في جزيرة قبرص قدم للمكتبة العربية أعمالا أدبية وفكرية وفلسفية وترجمات كثيرة له في الشعر: حافة الأرض، دار الكلمة، بيروت 1988. امرأة سادسة للحواس، دار الطليعة الجديدة، دمشق 1998. ليل الأجداد، وزارة الثقافة السورية، دمشق 1998. وأيضا في الرواية: توقيت البِنْكَا[جائزة الناقد للرواية] رياض الريس للكتب والنشر، لندن 1992. شمس القراميد،[جائزة كومار:الريشة الذهبية] دار الجنوب، تونس 1997. مملكة الأخيْضَر، دار الطليعة الجديدة، دمشق، سوريا 2001. بيروت ونهر الخيانات، دار الفارابي، بيروت 2002.كما أصدر كتاب نقدي: أبجدية الحجارة، بيسان برس، نيقوسيا، قبرص، 1988. من أعماله المترجمة، في الشعر: حرية مشروطة، أوكتافيو باث، الدار العالمية، بيروت 1983. مدائح النور، مختارات من الشعر اليوناني، دار الملتقى، ليماسول، قبرص1994. في الرواية: حكاية بحار غريق، غابرييل غارسيا ماركيز، دار ابن رشد، بيروت 1980. خريف البطريرك، غابرييل غارسيا ماركيز، دار الكلمة بيروت1981. البابا الأخضر، ميغيل أنخل استورياس، دار التنوير، بيروت1981. ناراياما، شيتشيرو فوكازاوا، دار التنوير، بيروت 1982. مملكة هذا العالم، أليخو كاربنتييه، دار الحقائق، بيروت 1982. البيت الكبير، ألفارو سيبيدا ساموديو، دار منارات، عمان 1986. ليلة طويلة جدا، كريستين بروويه، دار الجنوب، تونس 1994. بلزاك والخياطة الصينية الصغيرة، داي سيجي، المركز الثقافي العربي، بيروت ـ الدار البيضاء، 2004. في السيرة ترجم: المنشق، سيرة نيكوس كازنتزاكي بقلم زوجته، دار الآداب، بيروت 1994. في الدراسات: بدايات فلسفة التاريخ البورجوازية، ماكس هوركهايمر، دار التنوير، بيروت 1981. بلزاك والواقعية الفرنسية، جورج لوكاش، المؤسسة العربية للناشرين المتحدين، تونس 1985. في السينما: الثورة الفرنسية في السينما، المؤسسة العامة للسينما، دمشق، 2003. قرن من السينما الفرنسية، المؤسسة العامة للسينما، دمشق،2005. وله في الرحلات: من تونس إلى القيروان، غي دي موباسان، دار المدى، دمشق، 2004

^^^

1 – هل يمكن للشاعر أن يحقق توازنا إبداعيا حين يمزج في نصه اللعب والتأدب معا، أليس التجريب والسخرية واللاّتوازن هو نطاق منطق اللعب، أليس هو الهامش الشرعي لشعرية قتل وإحياء فكرة الموت، مما يستدعي التخلي عن مطمح كتابة الأدب بأدب، والقطع نهائيا مع القول الشعري الرصين؟ 

* أتساءل بدوري عن مدى صدور ذلك انطلاقا من طبيعة الشخص كإنسان أولا، قبل أن تتوالد عن قلمه ككاتب. هل هي رغبة شخصية تلك المغامرة المتوجهة إلى كسر قواعد الرصانة؟ أسوأ ما يعترضك في هذا المجال وعلى مستوى اللغة العربية تحديدا، هو هذا التلازم الأخلاقي بين الأدب والتأدب. وكنت حكيت لك في مناسبة سابقة عن خصومتي مع جارتي التي طالبتني بضرورة التحلي بأدب أكثر، لأنني ـ كما كانت تعرف من التلفزة على الأقل ـ: أديب! هي نظرة قداسة ربما تأتي في مجملها من قداسة الكتاب والمكتوب في تاريخنا العربي الإسلامي الذي يحتضننا بوصاية مزدوجة تجعلنا ننتج شاعرا اسمه أبو نواس وآخر اسمه أبو العلاء المعري، تماما كما نقرأ عن الممنوعات التي ازدادت اليوم مع تقدم العصر وتأخُّرِنا نحن فيه. والحال أن هتك الممنوعات كان من أعمدة تراثنا: الجنس مثلا، بكل تفرعاته التي تبلغ حد الشذوذ شبه المشرعن! أنا شخصيا مع اللعب باللغة وبالموقف وبالعلاقات التي لا تخلو من مناكفة بين الشخصيات، وصولا إلى تحقيق ما لا يتحقق في الواقع المادي؛ أعني اللعب بالمقدسات ومداعبة صديقنا الموت وما إلى ذلك. لكنني لا أخفيك أمرا: ألجأ إلى الترميز في الغالب حتى لا يحاصرني الجامع الأزهر، أو جامع الزيتونة، أو حتى الدهماء المتسلحة بازدياد المفتيين الفضائيين. ماذا يبقى من الكاتب عندئذ؟ ربما الأسوأ: أن يلعب وحده على الورق، في كتاب قد يصعب على غيره أن يفك رموزه. وهكذا تنكشف اللعبة فخا يرتد على صاحبه! لا بأس، أقول، إذا كانت هناك قلة قليلة داخل القفص نفسه. وإلا فالمطلوب التأدب، وإعادة كتابة المكتوب، والسير ضمن القطيع، وإطاعة أدب الأسلاف، والصورة التي يشكلها المعاصرون عنهم… المعاصرون  الذين تُعدُّ جارتي واحدة منهم. أرأيت كيف أجبت على سؤالك الأول وأنا ألعب؟

2– إذا كانت الكتابة ذاتها، لا بد أن تنطلق من تجربة مما يخضعها لمسألة الزمن، فكيف نقرأ عدة تجارب أدبية تآلفت مع جسد الثقافة العربية لكنها استمدت شرعية استمراريتها من تجارب الآخرين؟

 * أذهب إلى أن كل تجربة كتابية لا بد لها أن تنطلق انطلاقة ذات بعدين: من تجارب الآخرين والتجربة الشخصية في آن. وما نسمّيه الزمن هو الذي يكشف لاحقا مدى الغلبة لهذا البعد أو ذاك. ثمة من يظل مقلدا طيلة حياته وتجربته، وقد يشغل زمانه بهذه الدرجة أو تلك لكنه يزول في خاتمة المطاف مع زوال حظوته في عصره. الانحطاط لا توصف به القرون وحدها؛ ثمة انحطاط فردي أيضا. التقليد يكون مهمًّا أحيانا عندما يجلب ما كان مفقودا ليشير إلى حضوره في بيئة لا تعرفه. خذ مثلا انطلاق كتّابنا الكبار في بداية القرن العشرين من التقليد للغرب بسبب ما افتقدوا لوجوده في الثقافة العربية: المسرح، الرواية، ثم قصيدة التفعيلة والقصيدة الحرة لاحقا.

3 – إذا كان فعل الكتابة هو المختبر الوحيد الذي نعيد فيه تشكيل جيناتنا وتعديلها بما يتلاءم مع رغباتنا المجروحة، وهو الكتلة اللينة التي نشكل بها حياتنا وأحلامنا وشغفنا وإيقاع ارتطام رؤوسنا الأولى بهذه الدائرة، وأن نحيا داخلها ونكبر معها وفيها. فهل يمكن للكاتب أن يضمن، من داخل النص وخارجه، شفافية عملية التبادل بين الواقع وهذا المتخيل ولا يتورط في تشكيل واقع آخر مواز يكون أكثر قسوة، فنخدع أنفسنا أكثر من مرّة؟

 * هو واقع تراجيدي فعلا. لكن دور الكتابة ليس دائما إعادة إنتاج الواقع. الطوباويون الكبار كانوا كتّابا ومازلنا نعتبرهم كذلك بسبب الهوة التي يعيشها الفرد بين واقعه وحلمه. نحن نؤسس بالكتابة لواقع متخيل، يمكنك أن تسميه عالما وهميا أو موازيا أو مخادعا، لكنه لصيق بطبيعة الكتابة أولا، بل هو لصيق بطبيعة الإنسان بوجه عام. لنترك الكتابة ونتحدث عن الفرد العادي: ألا يؤسّس بدوره، لكن بغير الكتابة، عوالم وهمية موازية؟ ألا يبلغ به الأمر إلى حدّ الانفصام المرضي بين واقعه وأحلامه؟ ربما تفوّقْنا عليه بالعنصر الذي ما زلتُ أصدق أرسطو فيه: الدور التطهيري للكتابة! لكن الأمر ليس بهذه البساطة، فللكتابة دور تحويلي للذائقة ولقراءة العصر، مع رفضه أو تقبله، أؤمن أن الأدب يتغير ويغير. ولا يكفي أن نحصره في دور تحريضي مباشر.

 4 – إذا أغرق الشاعر في التأملات الفلسفية بشكل لا واع، هل بإمكانه المراهنة على تجميع تفرعات نصه عند نقطة قد تكون الدهشة وبالتالي التقاطع مع الرؤية؟

 *هذا شأنه. والعملية معقدة لأنها ذات بعد لغوي لا يستهان به. كيف تكون أثقال النص الجديد خلفه ولا تكون أمامه؟ كيف ينجو من التعثر ويحمل أثقاله الكثيرة؟ لكل ذلك علاقة بالمهارة والموهبة. عناصر كثيرة تتدخل: التلميح، الترميز، السهولة المانحة نفسها بتمنع، الخ…

5 – هل صادف أن أقدم اليوسفي على تفتيت كتلة نص شعري كبيرة إلى بذرات صغيرة وتفاصيل وأحداث وأيام، وزرعها في أرض روائية، فصادف أن أثمرت؟

 * لا أعتقد أن المسألة تتم بهذا الشكل. الشعر قد يفاجئ الرواية أثناء كتابتها وليس قبل ذلك. وصلت في تجربتي الشعرية إلى نوع من السردية العالية التي دفعت بي إلى كتابة الرواية. لم أنطلق مما أسميته ” كتلة نص شعري كبيرة ” بل من شخصيات وأحداث وتواريخ كانت مخنوقة في القصيدة بسبب الاختزال الذي يتطلبه الشعر. وذلك ما جعلني في النتيجة، وعلى مستوى الشعر، أكثر ميلا للتكثيف والاختزال.

6 – ” حين أكتب عن طفولتي أعود طفلا، لأكتب برؤية طفل ” هل تعتقد أن بإمكان هذا الطفل الشفاء ولو للحظات من كهولة توسّدت ضوء آلاف النوافذ المزروعة في شرفات وساحات الأدب العالمي، وتكشّفت على حشرجات آلاف القلوب المكسورة التي يتدفق نبضها مع كل سطر من سطور الترجمات؟

* هي محاولة، على الأقل، أو ادّعاء. وأنا أزعم أن في داخل كل كهل طفلا  قد يكون ذا حضور خفي أو مقموع أو صريح. والإنصات إليه بشكل جيد هو الذي يخفف من وطأة الثقافة والتجربة والوصاية. ولنا في أفلام الكرتون عبرة! لكن الأمر يتوقف أيضا على طريقة مشاهدتنا لها. فلو فاجأنا رجل ناضج، ابن سوق، أو ابن وظيفة محترمة، لعيرنا بهذه ” الولدنة”! غير أن سؤالك يظل مريبا وقد يتسبب في سوء فهم أو تفاهم. الطفولة التي أعنيها ليست البراءة! كل طفل يكون مسلحا بقدر عال من الخبث، والتحايل، والذكاء، والدهشة، وحب الظهور، والانتقام، وتكسير الأشياء… وقرص طفلة الجيران. أهم من كل ذلك: الطفل هو أبو الرجل الذي صرته… ألم يكن الطفل في البدء ثم جاء الرجل؟ الطفولة أيضا محاسبة قاسية يقوم بها الطفل لذلك الرجل الذي صاره. انظر ما أبعدنا الآن عن طفولة الأناشيد البريئة! إنها طفولة أخرى لا تخلو من ثراء حققته عبر شرفات العالم تلك. وهي طفولة تنضوي ضمن سؤالك السابق عن العوالم التخييلية الموازية. هنا ينزل طفل ساحر من كوكب غامض ليفاجئك قائلا: من فضلك ارسم لي خروفا! هل سمعت صوته وعرفته؟ نعم إنه هو: الأمير الصغير!

 7 – هل تجيز لنا وصف الترجمة: بتلك السلالم العالية التي تمنحها الأقمار للمترجم ليطل من علوها على ما يريد؟

*تشبيهك جميل لأنه يجمع بين جمالية الترجمة ومصاعبها، أي اللهاث الناجم عن تسلق تلك السلالم مع احتمال الانزلاقات الصغيرة أو السقوط المدوّي.

8 – كيف يثق اليوسفي في الذاكرة الجماعية المتوارثة والراسبة لصياغة رواية حية ومتحركة لا تقبل التفتيت؟

 * بخلق مسافة بين جمود الذاكرة الجماعية والكتابة عنها. بالسخرية الخفية، بالتصديق المتواطئ من أجل الذهاب بالمعطى الموروث إلى منتهاه، إلى عجائبيته. ذلك ما فعلته في مجموعتي الشعرية الأولى ” حافة الأرض”، وكذلك في رواية “توقيت البنكا “، وبطريقة أفضل، من وجهة نظري على الأقل، في روايتي “شمس القراميد”.

 9 – قلت مرة ” إن الذي يعيش الأشياء من داخلها يكتشف خرابها بطريقة واضحة جدا ” ألا تعتقد أن المسافة ضرورية لقياس هزات النص والحفاظ على توازن الأمن الشعري الخاص بعيدا عن الضجيج والطحين والجعجعة؟

* نعم بعد المعايشة للخراب عن قرب لا بد لك أن تبتعد عنه وإلا صرت جزءا منه. المهمة ليست سهلة. وهي تتطلب قدرا كبيرا من التضحية بالروح الجماعية المهيمنة في مجال معين. يمكنك الهروب من عزلة الخرفان ورعاتها، إلى عزلة النحل مثلا.

  10 – ” الشعر لا يكتب في لحظة ساخنة أبدا… إن الحب الساخن يحرق القصيدة، تماما مثل الحدث الساخن، ولذلك حين ينهزم الواحد منا في الحب يكتب أجمل القصائد لأن الحب يصير مهددا بالغياب”، فهل علينا أن نسقط دائما لنكتب أدبا واقفا أبدا. وهل علينا أن نموت دائما لننتصر لأدب يحيا أبدا؟

 *الفشل في الحب مجرد مثال معكوس، والنجاح في الحب وجهه الآخر. والمقصود ليس النجاح أو الفشل، بل البعد، أو تحقيق المسافة بين الحدث الذي هو النجاح أو الفشل، وبين الكتابة. ما أقصده أيضا أن اللحظة الساخنة تولد انفعالا فيزيولوجيًّا وليس فنيًّا. ودور العملية الإبداعية هو تحويل الفيزيولوجي إلى فنّي. لنأخذ موضوعة الجسد في الكتابة مثلا: يتدرج الفن، في التعامل مع الجسد، من التعرية الجزئية والمتدرجة (استعراض العري) إلى الإثارة الإيروسية، وصولا إلى الإباحية (البورنو)… والحال أن دور الفن يكمن في التحويل، وفي إنتاج المعنى الجمالي حتى وإن انطلق من كل تلك الدرجات واستوعبها. والمعنى الجمالي في هذا السياق يتدرج بدوره، ضمن مقولات جمالية مختلفة، ومتقابلة، من “سافو” إلى “المركيز دي ساد”، ومن جمالية القسوة إلى جمالية القبح. ولكن، ما المقصود بإنتاج المعنى الجمالي؟ في ما يخص الجسد، هو ما يبقى من الجسد في الكتابة، في الرسم، وفي الفنون الأخرى، بعد تعريته، وبعد تزاوج جسدين. وإلا كان من الأفضل لكل من الكاتب والرسام والآخرين، أن يتلذذ وحده، بالجسد الذي يعريه وبالأعضاء التي يعددها، كفخ للمراهق، بكل أصنافه وأعماره، عندما يتعلق الأمر بتذوق الفن، وذلك بعيدا عن الادعاء بأنه ينتهك محرّمًا اجتماعيا، يتجاوزه الواقع الليلي(ألف ليلة وليلة!) انتهاكا، وتفوقه نصيحة “إن عصيتم فاستتروا” خيالا! أقاصي الجسد، أغواره، ليست عضوية، بل منتجة للمعاني: معان جمالية، فلسفية، ميتافيزيقية. هي بحث أبدي عن ردم الهوة الأبدية بين الفرد والفرد، وقبل ذلك بين الذات واستمراريتها، بين الجسد وما يقال إنه الروح. والحال أن في الجسد، وتاليا في الجثة، ” أكمل تأكيد للروح، تماما كما تكون صرخة الذي يقتل أقصى تأكيد للحياة ” كما يقول الكاتب جورج باتاي. أما إذا كانت الأساطير والأديان تؤكد بأن الجسد فانٍ والروح باقية، أي أن الجسد متعارض مع الروح، ففي ذلك أقصى تأكيد لإنتاج المعنى التراجيدي للفن: وحشة الكائن المتجددة.

 11 – حتى يستطيع الخروج من مأزق الانفعالية، ولكي يقدر على تخليص نصه من العاهات وتشوهات الأجواء الساخنة ماذا يمكن لكاتب كبير أن يكتب؟

 * يكفي، في نظري، توافر ما ذكرته سابقا من ترك مسافة. الحزن الشديد ينتج نواحا والفرح العارم ينتج مزاحا، وغنائية محتفية بذاتها. يأتي الإنسان إلى الدنيا ليكرر نفسه؛ يسمي ذلك تطورًا، ويُسكن السعادة في الماضي. الإنسان ينظر إلى المستقبل وهو يكبر نحو الماضي. هذا ما أقوله. وترك المسافات هو في المحصلة عمر يجري. ولا نقتنص منه إلا ما يهرب، لكننا نعيش ما لم يهرب بعد وما زلنا نتمسك به. أضف إلى ذلك أن كلّ ما يحدّه الزمن، ينضج، يكتمل، يتخذ شكلاً، ذلك ما يُدعى الاكتمال أيضا لكنه اكتمال المتناهي. ولكي نعود إلى أمثولة الطفل في سؤالك السابق، فإن الطفل يمعن في جغرافية المكان ليصنع الزمن، فيأخذه الزمن كهلاً إلى التاريخ الزمن هو بطل التراجيديات الكبرى دائماً: له الحركة والفعل والانتصار، وكل ما تبقىضحاياه. وما نفعله ككتاب هو نوع من الممانعة المتحصنة بقوة الديمومة التي يتحلى بها الفن.

 ه12-هل ثمة أفكار إلى اليوم يصدقها اليوسفي الشاعر، رغم قناعاته بكونها لا تتعدّى الوهم المحض؟

 * لم أعد أصدق إلا الأشياء الشخصية الصغيرة. المشكلة أن كل الأقنعة سقطت. أنا، بل نحن، عراة الآن. ماذا عسانا نصدق؟ ربما نصدق الأمل وحده… الأمل الممزوج بالمرارة. هذا ليس قدرا. بل واقع. وأمر واقع أيضا. إذن من حقنا أن نبدع عوالم نقيضة حتى وإن كانت متخيلة. علينا البدء بالتعرية أولا. على الطفل الذي يسكن فينا أن يتخلص من خوفه ويشير بإصبعه إلى الإمبراطور العاري.

 13 –  إن تجاهل أنات أجمل الشعر العالمي والتخلص من حزمة تلك الصور التي زينت أروقة البيوت والقرى والأفئدة، ونسيان حمحمات الشخوص وأحوالها في نصك أنت، يبدو ضربا من ضروب المستحيل وهي عملية شبيهة باستئصال ورم مستفحل. كيف تقدر على تغييب كل تلك الجروح والكسور والضحكات المبثوثة في الترجمات التي حولتها، لتكتب نصك الخالص. إن حدث ذلك فنصوصك لن تنجح أبدا في التخلص من إحساس مبهم  باللقاطة واليتم؟ * المهمة صعبة فعلا. لكن مع تجاوز مرحلة التلقي السلبي ومع تقدمنا في الخسائر التي نطلق عليها لاحقا اسم التجربة، يصير في مقدورنا التلصص على مجالس الكبار، وربما الاقتراب منهم أكثر بخطوات خجولة، من دون أن يسمعوا حفيف أقدامنا على عتباتهم. ذلك ما أعتقد أنه تحقق ولو نسبيا في رواية “شمس القراميد” كما لاحظ لي الناقد الكبير توفيق بكار في شهادة أعتز بها، لجهة التفرد الذي أوافقك أيضا على تسميته باللقاطة واليتم.

  14 – إذا كانت الأسطورة تعرقل النص الشعري وتثقله، فكيف نقرأ اليوم ملازمتها المزمنة لقصائد درويش، هل هو الوعي الدرويشي الحاد بضرورة الاستنجاد بها لبروزة الموضوع الشعري؟ أم عجز هذا الأخير وخوفه من التعويل على أسطورته الشخصية؟  *الأسطورة في الشعر أسوأ حالا وأصعب نجاحا من الرواية في اتكائها على شخصية تاريخية أو أحداث ناجزة. درويش ذهب إلى الأسطورة بعد تجربتين فاشلتين: الأولى محاولة وصف الدكتاتور، في قصائد لا أدري مصيرها الآن، والثانية تخليه عن محاولة الكتابة الروائية التي استبدلها بكتب نثرية جميلة. وبعد ذلك أغوته الملحمة. وكنت قد لاحظت في كتابات أو قراءات سابقة لأعماله أن الملحمة ليست عملا إراديا، ولها ظروفها التاريخية المعطاة في أزمنة وأمكنة محددة.

 15 – هل ثمة كتب قادرة على تغيير حياة الكاتب إلى الأبد؟ 

* التغيير بالمعنى الروحي والأدبي نعم. ذلك ما أستطيع قوله عن بعض الأغصان التي تخفي غابة، مثل “فصل في الجحيم” لآرثر رامبو، و”الأمير الصغير” لسانت اكسوبري، وخصوصا ترجمتي لـ “المنشق”، أي سيرة حياة كازنتزاكي التي وضعتها زوجته. عايشت حياته وموته في شهرين. وبين البداية والنهاية لم تكن ثمة سوى خمسمائة صفحة، لم أخرج منها كما كنت، لا ماديا ولا معنويا… وتلك حكاية أخرى، كما يقول أبطال رواياتي دائما…/

***

ahram logo

الكاتب التونسي محمد علي اليوسفي

أبـوالقاسم الشابي شاعـر درجــة ثانية

السبت 24 / 2 / 2007

أجري الحديث ـ عزمي عبدالوهاب – تصوير ــ موسي محمود

محمد علي اليوسفي‏,‏ كاتب تونسي متعدد المواهب‏,‏ فهو يكتب الشعر والرواية‏,‏ ويمارس الترجمة التي تتراوح بين الشعر والسيرة والدراسات وأدب الرحلات والروايات‏,‏ التي تتجه علي نحو خاص إلي أدب أمريكا اللاتينية‏,‏ وهنا ينبغي أن نذكر أنه عشية فوز الشاعر أوكتافيوباث بجائزة نوبل‏,‏ كانت الترجمة التي نشرها اليوسفي في دار نشر بيروتية صغيرة‏,‏ تحت عنوان حرية مشروطة هي المرجع العربي الوحيد المتوافر عن هذا الشاعر‏,‏ مثلما كانت ترجمته لرواية ماركيز خريف البطريرك هي الأجمل‏,‏ حتي إن صالح علماني أهم من ترجم ماركيز إلي العربية‏,‏ رفض أن يعيد ترجمة هذا العمل‏.‏ هنا حوار مع اليوسفي حول هذه المحاور‏,‏ فإلي التفاصيل‏..‏
‏*‏ درست المرحلتين الابتدائية والثانوية بتونس‏,‏ ثم اتجهت إلي دمشق لاستكمال دراستك الجامعية‏..‏ لماذا لم تكن فرنسا وجهتك كما هو متوقع؟
الكتابة جعلتني أبحث عن مصادر للقراءة‏,‏ وكانت الكتب تأتينا من المشرق‏,‏ مما شكل لدي رؤية خاصة عن هذا المشرق‏,‏ وكان أمامي خياران‏,‏ إما أن أسافر إلي فرنسا‏,‏ وهذا كان متاحا‏,‏ أو إلي الشرق‏,‏ الذي كان يمثل لدي كتلة كبيرة‏,‏ نتيجة تعلقي بالكتابة العربية‏.‏في تلك الفترة المبكرة كانت الجهات المسموح لنا بالسفر إليها هي دول المغرب العربي وأوروبا‏,‏ وهي مسجلة علي جواز السفر الخاص بكل التونسيين‏,‏ وفي البداية اتصلت بالسفارة المصرية لمعرفة إمكانات الدراسة في القاهرة‏,‏ فقيل لي إن مصر ليست مسجلة في جواز سفركم ضمن قوائم الدول المسموح لكم بالسفر إليها‏,‏ وفي السفارة اللبنانية كان الرد مشابها‏,‏ وعندما اتصلت بالسفارة السورية رحبوا بي كعربي من دون أن يكون مطلوبا مني تأشيرة دخول‏.‏
في دمشق أردت أن ألتحق بقسم اللغة العربية‏,‏ فاصطدمت بالطريقة التقليدية للتدريس وكنت في ذلك الوقت مغرما بعلم الجمال فالتحقت بقسم الفلسفة‏.‏
‏*‏ لكنك لم تكمل دراستك وسافرت إلي بيروت‏..‏ لماذا؟
كنت أستغل فترات الصيف في العمل بأوروبا‏,‏ وفي العام‏1976‏ عندما عدت إلي دمشق وجدت أن الكثيرين من زملائي قد طردوا من الجامعة‏,‏ بعضهم سافر إلي العراق‏,‏ والبعض إلي مصر‏,‏ ولما ذهبت إلي الجامعة للتأكد مما إذا كان قرار الطرد قد شملني أنا الآخر‏,‏ وجدت أنني مسموح لي بالإقامة فقط‏,‏ والحرمان من الدراسة‏,‏ وعندما سألت عن الأسباب عرفت أن هناك حملة ضد اليساريين‏.‏
ذهبت إلي عدد من الأساتذة الذين تربطني بهم مودة لحل المشكلة‏,‏ فلم تجد الوساطات‏,‏ فاتجهت إلي لبنان للالتحاق بالجامعة‏,‏ وفي بيروت كانت المقاومة الفلسطينية مشتعلة‏,‏ فعملت في بعض منابرها‏,‏ وبدأت بترجمة أول كتاب لي وهو حكاية بحار غريق لماركيز‏,‏ ثم تلا ذلك خريف البطريرككان هناك صراع علي ماركيز‏,‏ وبعد مقارنات بين ترجمتي وترجمات أخري‏,‏ تم إقرار طباعة ترجمتي‏.‏
‏*‏ برغم أنك لم تترجمها عن الأسبانية مباشرة؟
لم تكن الترجمة عن الأسبانية‏-‏ وقتها‏-‏ متوافرة بشكل كاف‏,‏ وكانت ترجمة أدب أمريكا اللاتينية مطلوبة من دور النشر والقراء‏.‏
‏*‏ هل واجهتك صعوبات معينة مع النص أثناء ترجمته؟
خريف البطريرك أصعب من مائة عام من العزلة من حيث اللغة الشعرية العالية‏,‏ والأسلوب الروائي‏,‏ الذي يعتمد الفقرة المتواصلة إلي نهاية الفصل‏,‏ الأمر الذي سبب إرباكا حتي لدي صاحب دار النشر‏,‏ الذي تشكك في هذا الإفريقي التونسي‏,‏ لكنني أوضحت له أن هذا هو أسلوب ماركيز في الرواية‏,‏ ولن أتصرف فيه‏,‏ ويمكن عرضه علي من يجيد الفرنسية أو الأسبانية‏,‏ وهكذا أعيدت قراءة العمل المترجم من قبل عدد من المتابعين‏,‏ كان أبرزهم صالح علماني الذي قدم شهادة حق‏,‏ أعتز بها‏,‏ عندما قال إنني لو ترجمت الكتاب عن الأسبانية‏,‏ لما استطعت أن أخرجه بهذا الشكل‏,‏ وصدر الكتاب الذي ترجمته أثناء الاشتباكات والقصف في بيروت‏,‏ ولا أذكر أن أحدا ترجم هذا الكتاب سوي دار نشر لبنانية‏,‏ وما يدل علي بؤس هذه الترجمة أنهم ترجموا خطأ العنوان إلي خريف البطريق‏.‏
‏*‏ معظم ترجماتك عن أدب أمريكا اللاتينية‏..‏ هل هو الجري وراء موضة انتشرت لدينا؟
في هذه الفترة جري اكتشاف أدب أمريكا اللاتينية عبر ماركيز‏,‏ كان ذلك يشكل نمطا جديدا في كتابة الرواية بالنسبة للقارئ‏,‏ مما يعني ربحا أكبر للناشر‏,‏ لم أكن أميل لبابلو نيرودا مثلا‏,‏ لكنني اكتشفت أوكتافيوباث قبل أن يتم التعرف إليه عربيا‏,‏ ترجمت له ثلاث مجموعات شعرية وكانت هناك دار نشر صغيرة في لبنان‏,‏ يعمل لديها أحمد ومحمد علي فرحات مستشارين‏,‏ فطلبا الكتاب‏,‏ وما إن نشرته الدار‏,‏ حتي أعلن عن فوز أوكتافيوباث بجائزة نوبل‏,‏ وبذلك كان كتابي هو المرجع الوحيد بسوق النشر‏,‏ كان عنوانه حرية مشروطة‏.‏
‏*‏ لماذا لم يفرز تيار الفرانكفونية أدباء كبارا في تونس كما حدث في الجزائر مثلا؟
لا توجد مشكلة أقليات أو قوميات في تونس‏,‏ حتي إن نسبة البربر بها ضئيلة جدا‏,‏ وبذلك تكون الممانعة أمام التعريب قد انتفت‏,‏ كان هناك البحث عن التوازن بين هيمنة الفرانكفونية وحركة التعريب‏,‏ كانت العلوم الإنسانية تدرس بالفرنسية‏,‏ وفي مرحلة لاحقة تم تعريبها‏,‏ ونجم عن ذلك وضع يشكل نوعا من الاصطفاف وراء العربية‏.‏
‏*‏ تكتب الشعر والرواية‏,‏ مختلفا بذلك عما استقر في ثقافتنا العربية من الإخلاص لجنس أدبي واحد‏,‏ فهل هناك شروط ما للاستجابة إلي جنس دون آخر؟
بعد الإمعان في كتابة الشعر توصلت إلي قصائد يغلب عليها السرد وتعدد الأصوات‏,‏ وأحسست أن الشخوص متحركة في القصيدة‏,‏ تريد الخروج من أسر الاختزال الشعري إلي صورة أكثر وضوحا وتعبيرا‏,‏ ولعبت الترجمة ومعايشة الأسلوب الكتابي لدي كتاب آخرين‏,‏ دورا كبيرا في انتقالي لكتابة الرواية‏,‏ من دون التخلي عن كتابة الشعر‏,‏ أيضا كان اقترابي من سن الأربعين عاملا مهما في هذا الاتجاه‏.‏
كنت قد نشرت مجموعتي الشعرية حافة الأرض في بيروت‏,‏ وطبعا لم تكن قصائدي تخلصت من السرد‏,‏ فالشعر تسلل إلي الرواية‏,‏ كانت هناك نقطة تداخل بين الكتابتين‏,‏ ولا أشعر بأنه لابد من التركيز علي جنس أدبي واحد‏,‏ لكن دعنا نعترف بأن نشر الرواية الآن أسهل من الشعر‏,‏ وربما كنت محظوظا مع الرواية‏,‏ فقد تصادف أن روايتي الأولي توقيت البنكا نالت جائزة رياض الريس سنة‏1992,‏ كما حازت روايتي شمس القراميد جائزة أفضل رواية لسنة‏1997‏ في تونس‏,‏ ما دفعني إلي مواصلة كتابة الرواية حتي أصدرت خمس روايات‏,‏ والسادسة قيد الطبع‏.‏
‏*‏ برغم أنك تؤمن بأننا في مجال الرواية والمسرح نقلد الغرب في الكتابة عبر هذه الأشكال الفنية؟
نعم‏..‏ نحن فوجئنا بشئ اسمه المسرح‏,‏ فصرنا نبحث في تراثنا عن هذا الشكل‏,‏ ولا يمكن أن يمثل خيال الظل مسرحا‏,‏ مثلما لا تمثل ألف ليلة وليلة الرواية كجنس أدبي‏,‏ هي قد تفوق الرواية‏,‏ لكنها في النهاية حكاية شعبية‏,‏ ولم نلتفت إليها إلا عندما أشار إليها الغرب كعمل عظيم‏,‏ وبرغم أن هذه الفنون لم تنبت في تربتنا‏,‏ إلا أن روحنا موجودة فيها‏,‏ فمثلا نجيب محفوظ كتب الرواية الكلاسيكية‏,‏ والفرنسيون يرددون أنه بلزاك الرواية العربية‏,‏ وقد يكون ذلك صحيحا من ناحية الشكل‏,‏ لكنه كتب الروح المصرية في تجلياتها الأسطورية والروحية والتاريخية‏.‏
‏*‏ هل تثري الأسطورة النص سواء كان روائيا أم شعريا؟
الشعر ليس فعلا ثقافيا‏,‏ بمعني التفاعل مع الثقافات الأخري وإعادة إنتاجها في النص العربي‏,‏ قد يشكل ذلك خلفية ما‏,‏ لكن لا يمكن أن يتخلل القصيدة بشكل مباشر يبعدها عن اللحظة الشعرية‏,‏ ويبعدها عن عمق الواقع الذي انبثقت منه تلك اللحظة‏,‏ بمعني أننا لا نستطيع الآن أن نكتب ملحمة‏,‏ لأن الملحمة كانت ابنة عصرها‏,‏ كما أن الواقع من الغني والتنوع‏,‏ بحيث نستطيع أن نوجد أساطيرنا الخاصة بنا‏,‏ وأنا أعتبر كل ما كتب في الشعر العربي مجاورا للأسطورة‏,‏ شكل مرحلة‏,‏ يمكن القول إنها استكشافية‏,‏ هناك نقطة لا أحبها في النص الإبداعي إجمالا وهي الاستناد إلي مادة خام جاهزة‏,‏ وإعادة إنتاجها كتابيا‏,‏ بمعني‏:‏ لماذا لا يحاول الكاتب البدء من نقطة الصفر أو العدم؟‏!‏
‏*‏ وهل هناك نقطة صفر يبدأ منها الكاتب‏,‏ أي كاتب؟
نقطة العدم أو الصفر ليست عدما ولا صفرا‏,‏ لأن الكاتب يكون محملا بالماضي وبنصوصه‏,‏ وبالحاضر أيضا‏,‏ فضلا عن استشراف المستقبل‏.‏
‏*‏ الأزمة بين المشرق والمغرب هل مازالت محتدمة داخل نفوس الأدباء المغاربة؟
هي أخف حدة الآن‏,‏ بسبب التواصل الذي تزايد في السنوات الأخيرة‏,‏ من خلال تنقلات فردية للكتاب‏,‏ وعبر المؤتمرات والندوات والمهرجانات‏,‏ إضافة إلي إمكانات التواصل والنشر عبر الإنترنت‏.‏
المشكلة كانت تتمثل في نوع من الصراع الموجود في شمال إفريقيا بين الفرانكفونية والعربية‏,‏ فالكتاب الذين يكتبون بالفرنسية يجدون تسهيلات عديدة داخل بلدانهم‏,‏ وفي فرنسا‏,‏ ما يجعل الكتابة بالعربية في نوع من العزلة‏,‏ فيبحث الأدباء عن منفذ‏,‏ قد يكون في مصر أو لبنان أو سوريا‏,‏ وعندما لا يجدون هذا المنفذ تبدأ ردود أفعالهم‏,‏ تكتسب نوعا من العنف‏.‏
‏*‏ أنت عشت بين الضفتين مشرقا ومغربا فكيف تري هذه العلاقة الآن؟
هناك اهتمام دائم في المشرق العربي بما يجري في المغرب والنصوص الجيدة تفرض نفسها في الأخير‏,‏ وهذا ما حدث مع عدد كبير من الكتاب المغاربة‏,‏ هناك ملاحظة تتعلق بالنظرة التعميمية في الاتجاهين‏,‏ فأنا شخصيا أقول إن المشرق مشارق‏,‏ مثلما المغرب مغارب‏,‏ أقصد طبعا الخصوصيات التي يمكن استقبال الأدب بها‏,‏ في هذا البلد أو ذاك‏,‏ وكذلك التسهيلات‏,‏ وهذا لا يمنع أن اطلاع المغاربة علي ما ينتج في المشرق العربي أوسع بكثير مما يجري في الاتجاه المقابل‏,‏ وللإعلام دور مهم في هذا الجانب‏,‏ فضلا عن سهولة نسبية في تحرك كتاب المشرق نحو المغرب العربي‏,‏ وهذا ليس متوافرا للكتاب المغاربة‏.‏
‏*‏ ألهذه الأسباب تتوقف علاقتنا بالشعر في تونس عند أبوالقاسم الشابي؟
الشابي كتب ونشر في تونس‏,‏ قبل أن يعرف في مصر‏,‏ لكن مجرد تعامله مع مجلة أبوللو لعب دورا في التعريف به علي نحو أكبر‏,‏ وكان الشابي في عصره يعتبر شاعرا من درجة ثانوية‏,‏ حتي إن شعراء تونس عندما أرادوا أن يولوا شاعرا إمارة الشعر اختاروا كرباكة‏ أو بالأحرى الشاذلي خزندار,‏ وهو شاعر صار مندثرا‏,‏ بينما كان الشابي في مرتبة متأخرة‏,‏ ووجود الشابي لم ينف وجود شعراء آخرين‏,‏ لكن أصواتهم لا تصل بسهولة‏,‏ وبمقارنة بسيطة أقول إننا نكاد نعرف كل شاعر مصري‏,‏ حتي لو كان قادما من قرية نائية في الصعيد‏,‏ وهذا بسبب غني وتنوع المطبوعات ووسائل الإعلام في مصر‏.‏
‏*‏ وماذا عن الرواية؟
برزت أسماء روائية مثل فرج لحوار‏,‏ وصلاح الدين بوجاه وعروسية النالوتي‏,‏ ومسعودة أبوبكر‏,‏ والكتابة الروائية في تونس انطلقت من اتجاهين مؤسسين للرواية هما اتجاه بشير خريف ومحمود المسعدي‏,‏ الأول أقرب إلي الرواية الواقعية‏,‏ والثاني يعتمد الرموز والتراث مع نزعة وجودية‏,‏ ولغة منتقاة‏,‏ والكثير من الروائيين التونسيين تأثروا بمحمود المسعدي تحديدا‏,‏ وبدأوا يتنكرون له‏,‏ بعد تتابع رواياتهم‏.

***

Screenshot_2 افكار

مجلة افكار الأردنية

الروائي التونسي محمد علي اليوسفي

تونس بلد غير فاعل ثقافيا وظروف النشر صعبة جدا, خاصة التوزيع المحلي

الكتاب التونسي مضطهد بسبب الهجمة الفرنكفونية المتجددة ونفوذ الانجليزية.

الرواية الشعرية ليست ثرثرة لغوية بل هي متأتية من ظلال العلاقة بين الشخصيات والامكنة ذات الايحاءات الشعرية.

حوار : آيه الخوالدة *

التقت مجلة افكار الروائي التونسي محمد علي اليوسفي على هامش مشاركته في معرض عمان الدولي الثاني عشر للكتاب في عمان و كان لنا هذا الحوار.

يصعب اطلاق لقب واحد عليه, فهو روائي, شاعر, كاتب نقدي, مترجم وله العديد من الاعمال في السينما والدراسات والرحلات, لذا لا يسعني الا ان اطلق عليه لقب الاديب بكل ما تحمل الكلمة من معان. اُتهم بانه يكتب الشعر في كل اشكال الادب, الا انه اعتبر علاقته بالشعر علاقة صامتة تخصه وتخص الاماكن التي تجمعه بها, و اعتبر الرواية الباب الذي ادخله الى عالم الخيال و حرية الحركة.

* لك العديد من الترجمات في الشعر, الروايات, الكتب النقدية, الدراسات, السينما والرحلات, حدثنا عن هذا التنوع والغنى في الاشكال الادبية؟

بالنسبة لنظرتي العامة, تتفاعل الفنون مع بعضها البعض وتتكامل ايضا, يمكن القول ان السينما هي الرواية والرواية هي السينما, حتى بمعنى الربح و الخسارة, فالرواية تكتسب الكثير عندما تأخذ من تقنية السينما, والسينما تأخذ الرواية كاملة وتحولها الى مشاهد بصرية.

في نطاق اهتمامي الشخصي لقد بدأت شاعرا, وتطور الشعر عندي في القصيدة السردية التي تتناول الشخصيات وحواراتهم.  لقد وجدت السرد يتطلب نوعا من اخراج الشخصيات من النص المكثف القصير الى فضاء أرحب, تستطيع الشخصية التحرك فيه و التكلم بحرية, و ذلك لا يمكن للشعر استيعابه بل فقط الرواية.

لقد كان خروجي للرواية متأخرا لكن مع كتابة الشعر مارست الترجمة, وذلك حبا في الرواية والادب بشكل عام, ثم عندما بدأت الترجمة احسست انني مشارك في كتابة الرواية, لان قارئ الرواية هو قارئ فقط, لكن المترجم يطلع على الرواية اكثر من مرة, و يمر في كل سطر بعلمه و تفكيره و بصره, حتى انه يعايش لحظات من كتب النص, فكأنه يشارك في اعادة الصياغة من جديد.

الترجمة نوع من التدرب على الكتابة المستقبلية, كما ان دراستي الاكاديمية كانت في الفلسفة وهي ام العلوم و الفنون في الماضي, لكن عندما بدأت الترجمة وجدت ان ترجمتي للكتب الاجنبية كان يتم الاحتفاء بها, خصوصا ان الكتاب المترجم مطلوب كثيرا و بالاخص الكتب المترجمة للادباء الحاصلين على جوائز نوبل مثل غابرييل غارسيا ماركيز. كما ان الطلب عليها يزداد بشكل كبير من دور النشر و القارئ. اذكر انني في البدايات ترجمت ثلاثة دوواين شعرية للشاعر المكسيكي اوكتافيو باز, و طفت بها الى ثلاثة دور نشر في بيروت وجميعها رفضت. و في النهاية نشرتها ضمن كتاب واحد في دار نشر صغيرة, نال بعدها الشاعر اوكتافيو جائزة نوبل للاداب, و كان الكتاب الوحيد المترجم للعربية.

مشكلتنا في النشر تتعلق بالناشر و ذوقه و اطلاعه و معرفته, و لقد كنت ارفض الترجمة السريعة للكتب التي تتناول الاوضاع الاقتصادية و السياسية الراهنة, و كنت اتوجه الى ترجمة كتب المؤلفين الذين اشعر بانهم مظلومون و مغيبون ماديا, لذلك كانت جميع كتبي المترجمة متميزة في اختراقها و تأثيرها في الثقافة العربية.

و يأتي اهتمامي بالسينما من باب انها من الفنون العصرية المؤثرة في المجتمع و قد ترجمت كتابين في السينما.

كيف ترى واقع الادب التونسي في الساحة الادبية العربية؟

هو سؤال يثير الكثير من المشاكل, فإذا قلت بان الادب التونسي ضعيف, سأجد ردود فعل عنيفة جدا, و إذا قلت بانه جيد جدا, سأخدع نفسي و غيري. هنالك تجارب مهمة في تونس, انما المشكلة تكمن في ان البلد الصغير لا يخلق نجوما, اذ ان هنالك مبدأ صحافي قائل : مقال ضعيف في جريدة مهمة, اهم من مقال جيد جدا في جريدة ضعيفة ولذلك فان كاتبا متوسطا من باريس او لندن اهم، بمعنى الحضور والربح المادي، من كاتب عربي جيد.  و تونس بلد غير فاعل ثقافيا, و ظروف توسع النشر فيها صعبة جدا. اذ انها لم تستطع اختراق الحدود و لم تتمكن من التوزيع محليا. حتى التجارب السينمائية اغلبها انتاج مشترك مع سويسرا, فرنسا, المانيا, بلجيكا, و يوجد هنالك دعم للانتاج البصري, الادب التونسي يعاني من العزلة رغم وجود الاصوات المتميزة خاصة في الرواية و الشعر.

هل تعتقد ان توجه العديد من الكتاب التونسيين للكتابة باللغة الفرنسية يهدد الادب التونسي؟

الكتاب في تونس لم يتميزوا بالكتابة الفرنسية كما هي الحال في الجزائر و المغرب. لكن بعد فترة الاستقلال ازدادت نسبة الكتابة باللغة الفرنسية, هنالك مسابقة سنوية في تونس لجائزة الرواية و هي مفتوحة لمن يكتبون باللغتين, و نجد عدد المرشحين من الجهتين متقارب جدا, حوالي 17 كاتبا باللغة العربية و 13 بالفرنسية, ومن المفروض ان تكون نسبة المشاركة لمن يكتبون بالعربية 90% كونها اللغة الام.

الى جانب ان من يكتبون بالفرنسية يتدبرون امورهم مرتين, فهم مدعومون من الجهات الفرنسية ولهم امكانية النشر في البلاد الفرنكفونية و البلاد العربية ايضا.

لقد عُرِضتْ عليَّ العديد من المؤلفات التي كتبت باللغة الفرنسية لكتاب يعرفون اللغة العربية, و قد رفضت ترجمتها, فلماذا لا يكتبون بلغتهم الام. في المقابل عندما تعقد باريس مؤتمرا عن الرواية العربية تستضيف روائيين عربا من الاردن وسوريا ومصر و لبنان، يكتبون بالعربية, بينما تستضيف روائيين المغرب وتونس والجزائر يكتبون باللغة الفرنسية وذلك تشجيعا لفكرة الفرنكفونية وانتشارها وخوفا من طغيان اللغة الانجليزية عليها. كما ان دور النشر التونسية وجدت دعما كبيرا من المراكز الثقافية الفرنسية والسفارات, لذك تقبل على نشر المؤلفات المكتوبة بالفرنسية. بالتالي يعيش الكتاب التونسي اضطهادا بسبب الهجمة الفرنكفونية المتجددة والعولمة والسيطرة ونفوذ الانجليزية.

كيف تكون الرواية كتلة نص شعري كبير؟

انا متهم في كتاباتي انني احب الشعر اكثر, و عندما كتبت الرواية قيل عنها انها شعرية, انا لا اخفي ان فيها شعرا, لكن هنالك من ينتقد الرواية بانها ان كانت شعرية ستفقد الكثير من العناصر المكونة للرواية. في نظري ان الرواية عندما تكون شعرية هي لن تكون قصيدة  ولن تضحي بأساسيات العمل الروائي, فالشخصيات والمكان موجودة والعلاقات بين الشخصيات تتطور باستمرار, الى جانب الحدث والخاتمة وهذا كله موجود في الرواية الشعرية. بينما النص المسترسل بلغة انسيابية مجنحة سيفقد الرواية الكثير وانا افضل ان تكون الشاعرية متأتية من ظلال العلاقة بين الشخصيات ومن الامكنة نفسها التي تكون ذات ايحاءات شعرية. واهمية العناصر تكون كالتالي بالترتيب : الحدث, الشخصية, تدفق الشعر من العلاقة, وعدم الانطلاق المسبق للغة.

متى يكتب الشاعر اجمل قصائده؟

الشاعر لا يدرك ذلك, يأتي الاخرون و يقولون عنها إنها اجمل قصائده.  الشاعر يمتلك جانبا نرجسيا و انانيا, ففي لحظة الانفعال القوي سواء كان حزينا او فرحا يظن انه كتب شيئا لم يكتبه الاخرون, و انه ابدع في هذا النص. القصيدة مشكلتها في الانفعال الفيزيولوجي, اذ لا اعتقد ان الشاعر يمكن ان يكتب قصيدة جميلة في سخونة الحدث, فإذا كان في قمة الفرح سيكون سعيدا جدا ليرى سطور القصيدة رائعة كونه اسقط عليها هذا الفرح. ان الشعر يتطلب القليل من البرود والبعد عن العواطف الجياشة, حتى لا يأتي الانفعال الجسدي على حساب الجمالية في النص.

أيهما اقرب الى محمد علي اليوسفي الشعر ام الرواية؟

لقد سئلت هذا السؤال كثيرا وفي احدى المرات اجبت سريعا وكأنني كنت افكر بصوت عال : أنا، بيني وبين نفسي، أجدني شاعرا، وعندما اريد ان اتكلم بصوت عال، اقول اني روائي، وامام الاخرين بشكل اوسع اكون مترجما.

هو نوع من التخفي، اعتقد ان الشعر ليس استعراضا او صراخ او علاقة اجتماعية, بل علاقة جمالية بين الشاعر وعلاقته بالازمنة والامكنة و الشخصيات, علاقة صامتة اكثر منها صارخة ومن هنا كتاباتي ليست منبرية ولا تبحث عن الجانب الاعلامي, فلست ممن يجيدون اعتلاء المنابر والالقاء الشعري.

هل تعتقد ان اثر الشعر العالمي كبير جدا على المؤلفات الادبية في العالم العربي؟

بالتأكيد, نحن لا نملك اسس الرواية والمسرح بمعناهما الحقيقي, فهي فنون حديثة العهد. بينما الشعر مسألة اخرى, اذ لدينا اصالة و تراكم كبير في الشعر, و لكن ذلك لا يمنع تأثرنا بالشعر الغربي وقصيدة التفعيلة والنثر, كما وعمدنا الى استخدام الاسطورة و القناع في القصيدة الحديثة. حيث اصبحت القصيدة العربية القديمة في احتكاكهاباللحظة الراهنة ليست كافية, نفرح بها عندما نقرأها خصوصا شعر المتنبي, لكن كإيقاع عصري نطلب اشياء اخرى نجدها في الشعر الحديث عند محمود درويش, ادونيس, امل دنقل و سعدي يوسف. نحن متأثرون بالغرب في كل مجالات حياتنا, لاننا لسنا صانعين للحضارة بل نحن مستهلكون لها.

هل اثبت الكتابة النسوية وجودها في الساحة الادبية التونسية؟

بالفعل, فهنالك حضور لافت جدا للكاتبة والشاعرة و القاصة التونسية, ففي منتصف القرن الماضي لم يكن هنالك عدد كبيرمنهن بينما الان نشهد كمية ونوعية متميزة, وحاضرة في كافة اشكال الادب من مسرح, رواية, قصة و شعر, وفي هذا المجال الأخير جددت الشاعرة امال موسى في قصيدة النثر, وأبدعت الشاعرة جميلة الماجري في القصيدة الكلاسيكية الجديدة.

ماذا تمثل لك الترجمة في بحور الادب العالمي؟

اجد لذة كبيرة في ترجمة النصوص الادبية العالمية, اذ انني اذا وجدت النص جميلا و معبرا لا اترك الكتاب الا عندما انهي ترجمته ولو كان الاجر الذي اتلقاه قليلا, فالكتاب الذي وجدت فيه تحديا ومتعة كبيرة في ترجمته خلال ثلاثة اشهر هو كتاب المنشق للكاتب اليوناني كازانتزاكي, و هي سيرة حياته كتبتها زوجته, وقد ترجمته للمجمع الثقافي في ابو ظبي عندما اقاموا اسبوعا ثقافيا خاصا بهذا المؤلف الى جانب عرض فيلم زوربا وعرض مقتنياته و الموسيقى اليونانية.

* صحافية مترجمة

 *

مركز دراسات الوحدة العربية :: العربية و الترجمة العدد التاسع ربيع 2012

Screenshot_2 مركز

الهوّة كبيرة بين ما نترجم وما ينبغي أن نترجم (حوار مع محمد علي اليوسفي)

 مقابلة أجراها ماجد السامرائي

1- كثيرا ما ترد الاشارة، في ثقافتنا العربية، الى ان للترجمة عن الثقافات الأخرى دورها في بناء المعنى/ البعد الثقافي الجديد في هذه الثقافة. فعلى أي نحو ترى ذلك، وفي الأساس من خلال ما قدمت من ترجمات؟

* أعتقد أن الثقافة العربية المعاصرة مدينة للترجمة في قسم كبير منها، تماما كما في العصر الذهبي للترجمة منذ العصر العباسي المبكر، مع فارق أن تلك الحقبة التاريخية كانت تشكل مرحلة صعود حيث كانت الترجمة مشروعا للدولة، فيما شكلت مرحلتنا وتشكل محاولة مقلقة لمقاومة السقوط، هذا إذا لم يتم النظر للترجمة كنشاط مكمل لقبضة السلطان، شأنها شأن الهم الثقافي العام. إن نظرة إلى الوراء، لكن إلى الماضي القريب، من شأنها أن تدلنا على مقدار التأثيرات التي خلفتها الترجمة في الواقع العربي، على مستوى الأفكار كما في الآداب والفنون. ونحن وإن كنا مضطرين إلى طرق أبواب العصر الحديث عبر الترجمات العلمية والفكرية، علينا أن نتذكر هنا تحديدا، وبقليل من المجازفة، أي من دون محاولة اللجوء إلى التأصيل الانتقائي، أننا تبنّينا أجناسا جديدة مثل الرواية والمسرح ولم يكن لنا عهد بها، حتى صرنا نبحث عن أول رواية كتبت في هذا البلد العربي أو ذاك فنجدها قبل قرن أو أقل، فيما ليس من الوارد أن نسأل: ما أول قصيدة أو أول ديوان؟ ولعل الترجمة هي التي دلتنا أيضا على نقاط قوة في تراثنا كنا نصنفها في مرتبة ثانوية، ولم نكن ننظر إليها إلا بنظرة دونية كما في مثال “حكايات ألف ليلة وليلة” مثلا، وكذلك كونية الإرث الصوفي برحابته الانسانية. البعد الثقافي الجديد يظهر جليا في حركة الترجمة التي وسمت بميسمها كل مناحي الفكر وأفانين القول وأنواع الفنون، وكانت خارجة لتوها من عصر انحطاط تلته حقبة استعمارية ساهمت في تراكم الجهل والركون إلى الماضي السعيد خوفا من مستقبل غامض. شخصيا، ورغم تخصصي الأكاديمي في الفلسفة والعلوم الاجتماعية، ملت أكثر إلى الترجمات الأدبية، ليس لمزاج خاص فحسب، بل لأسباب أخرى ذات علاقة بسوق النشر ورواج الكتاب إلخ. لكنني حاولت في كل ما ترجمت أن أجيب عن هذا السؤال:” هل يضيف هذا العمل شيئا إلى ما يوجد عندنا؟”

2-البعض يرهن مثل هذا التوجه بالسؤال عما ينبغي أن نترجم.

* هناك هوة كبيرة بين ما نترجم والسؤال حول ما ينبغي أن نترجم. فكثيرا ما تحكّم فينا منطق السوق والرواج وثقافة الناشر، المتواضعة عادة، إلا في جانبها التجاري. أتحدث هنا عن المرحلة التي انطلقتُ فيها شخصيا نحو الترجمة، اي منذ نهاية السبعينات وبداية الثمانينات. فالوضع الآن أفضل نسبيا، من خلال ظهور بعض المراكز المتخصصة في الترجمة مع ما يشوب عملها من قلة تنسيق وافتقار إلى نظرة استراتيجية موحدة. هذه آفة متأتية جزئيا من كون مراكز الترجمة ذات لغة واحدة وأقطار كثيرة، فضلا عن السياسات المتبعة، ناهيك عن الجانب الفوضوي في الترجمة عندما يتعلق الأمر بدور النشر العربية ضمن تراكمها المرتبك من دون أي حضور يتحلى بنظرة تأسيسية مدروسة.

3-وكيف تجد الجواب العملي عن هذا في واقعنا الثقافي العربي ـ واقع الترجمة الى العربية؟

* كل شيء، في كل الفروع يمكن أن يترجم، لكن مع أولويات يستوجبها تراكم الافتقار عندنا لما ينتجه العالم وما يترجمه أيضا مقارنة بأوضاعنا البائسة.

هل أطالب بالتنسيق بين أبرز جهات النشر؟ هل أطالب بمؤتمر عام يخلو من المجاملات واللقاءات الرسمية؟ هل أطالب بإنشاء معهد عربي لتكوين المترجمين في كل اللغات بشكل متميز؟ شخصيا بت أخاف من إضافة كلمة” عربي” أو عربية” إلى أية مؤسسة، فهذا الأمر بات يوحي بالبيروقراطية وتوظيف المال الفاسد وإرساء التوجه العام، والتراتبيات المغشوشة.

هل أطالب بمعاقبة دار نشر قرأت من إصداراتها مؤخرا روايتين مترجمتين عن الانجليزية وظلتا مكتوبتين ببنية الجملة في اللغة الانجليزية، مع لغة عربية تفجر الرئتين( عينان زرقاوتان، كلتي المرأتين، تكوي قميص،إلخ،)؟ هل أطالب دور النشر برقابة غير أمنية، بل لغوية تجعلها تخسر القليل من الأرباح لتوجهها للمترجم والمدقق؟

4-ولكن، من جانب آخر، ألا ترى أننا، نحن العرب، مشغولون بمثل هذا السؤال أكثر من سوانا من الأمم؟

* طبعا لأننا الأكثر فقرا في المجال نفسه. الإحصائيات تدل على ذلك. أصغر الدول في العالم ليس لها ثروات مثل ثرواتنا، لكن لها كتبا تفوق جهودنا المبعثرة حتى وإن جمعناها في كيس واحد. ربما لأن الهم الفكري والثقافي، هو آخر مشاغلنا، أقصد هنا المنظومات الرسمية التي لا تمول إلا ما يخدمها ويشرعن بقاءها ضمن أفق منظور. ويمكن أن نضيف إلى ذلك أننا متميزون بآفة أخرى هي تفشي الأمية غير المتعارف عليها؛ أقصد الأمية التثقيفية، اي القراءة والمطالعة. لا قيمة للفرد بما يعرف بل بما يملك. والذي يعرف هو دائما على أبوابهم ويسترق النظر إلى موائدهم.

5-ألا تلاحظ أن ما ما يترجم، وما ترجم، أضحى يمثل “سلطة ثقافية” في واقعنا الثقافي العربي، له نفوذ التأثير، ويحظى باندفاعات التاثر، من حيث الاستجابة لما يترجم، وبما يشكل حالة واضحة في ثقافتنا وفي بناء رؤيتنا الثقافية؟

* أقدس ما يعتز به العرب ناله هذا التأثر، وليس الشعر وحده. لكن، يمكن التحدث أيضا عن مرحلة ما زالت ممتدة من ” عسر الهضم”. فدراساتنا الأكاديمية تتميز بالإحالات المرجعية المتعالمة مع قلة إنتاج للمعنى غالبا. تجميع أو منهجة قصرية كما يحدث الآن أو كما حدث سابقا عندما بحثنا عن ” المادية” في الفكر الفلسفي العربي. وكأن ذلك سيمهد لنا توطين الماركسية التي غُلبت على أمرها. نظرة أقرب إلى ما يحدث هذه الأيام تمكننا من القول أن هناك نوعا جديدا من الترجمة فاقت تأثيراته أي توقع: إنها ترجمة لغة العصر ؛ الحاسوب والشبكة العنكبوتية.

6-فضلاً عن كونك مترجماً فأنت كاتب مبدع في لغتك/ لغتنا العربية.فهل تجد لهذه “السلطة” نفوذاً عليك تحديداً؟ وكيف أقمت التوازن بين الترجمة وما تترجم وابداعك الشخصي؟

* سؤال يهمني فعلا، ويؤرقني أيضا. لا أستطيع تحديد التأثر فهو متروك لغيري، لكنني أعرف أنه موجود حقا. بل ساهم ايضا في نوعية كتابتي المختلفة عن السائد مع ضريبة لا بد منها تتمثل في الاستيعاب، وفي مشكلة تعوّدنا كنقاد وقراء على “الحدوثة” والمضامين الراهنة. مع أن كل إنساني هو راهن بالضرورة، فضلا عن كونه يشكل سؤالا أبديا. لست هنا لأمتدح نفسي غير أنني أعرف من عدة وجهات نظر نقدية ولدى شباب جديد طموح، أن ما أكتبه لا يخاطب الذائقة السائدة. أقدم لك مثلا: مرة قدمت عملا لجهة نشر سورية: رُفض العمل مع تقارير من أبرز ما جاء فيها، بالإضافة إلى تهمة “التعالي” أن كتاب شمال إفريقيا متأثرون بفرنسا والفرنسة! مع العلم أن آخر أدب حديث يمكن القول أنني متأثر به هو الأدب الفرنسي الذي يعاني من مآزق ابداعية في العقود الأخيرة ولا يتمكن من إثراء نفسه إلا عبر الكتاب المستوردين سواء عبر اللسان أم عبر الترجمة، الترجمة، والمزيد من الترجمة. الناقد التونسي توفيق بكار قال عن روايتي ” شمس القراميد” أنها ” درة يتيمة” لا تحيل إلا إلى نفسها ويصعب إدراجها ضمن نسق معهود. كذلك أذكر الكاتب السوري أحمد عمر، الذي كتب عن روايتي” مملكة الأخيضر” يقول: ” سيصعب العثور على ذاكرة روائية مباشرة وقريبة لعالم مملكة الأخيضر الطريف والبريء والبكر والمبتكر”.  ليضيف: ” مملكة الأخيضر حكاية فنتازيا وفيلم كرتون للكبار ورواية شعر، لا شعر لغة، لكن شعر تفاصيل وأحداث وحياة وعلاقات تحاول ريادة كوكب اسمه الطفولة… هذه اللغة الناقدة الساخرة المتسربة من عالم الكبار السياسي الواقعي لا تطغى على العالم الطفلي الطريف أو تخرجه عن جادته كأطروحة في اجتراح الخيال وكتابة رسالة غفران جديدة ومغايرة ليس فيها غير المرح ولا تحول النص السردي لرواية أيديولوجية فهي أبعد ما تكون عنها بطيرانها في سماوات البراءة وهضاب الخبث الطفلي واتقاد الخيال فيها و تناميه إلا أن ذلك لا يثنينا عن التفكير في الرواية كمهرب من مرارة واقع.

هذه القراءات جاءت على العكس من محاولة النشر الأولى في بيروت والتي باءت بالفشل، لأن السيد الناشر وجد في الكتاب: “فانتازيا مجانية”! حسب قوله. وهذه الرواية تحديدا استقبلت بشكل مغاير في إيطاليا وفرنسا حيث هناك من يراسلني لإعداد رسائل جامعية حولها مع ترجمتها.

7-ويبقى السؤال قائماً: ماذا ينبغي أن نترجم – من حيث الأولوية والأهمية بالنسبة لثقافتنا؟

* ينبغي أن نترجم ما يقلقنا، ما لا يسلّمنا إلى الطمأنينة، ما يقض مهاجعنا. وحتى إن تغافلنا عنه باسم الخوف والرقابة والسلطة، فإن النت كفيل بكل ما ينقصنا، وبشكل أكثر شراسة، نعم! وإن لم يتم ذلك بلغتنا فسوف يتم بكل أنواع اللغات والرموز!

8- قد تكون الترجمة عن “الآخر” سبيلاً من سبل البحث عن التكافؤ مع الآخرالثقافي. إلا أن السؤال الذي يثار هنا هو: كيف نجعل من هذا “البحث عن التكافؤ مع الآخر – الثقافي” عمادا للذات _ ذاتنا المبدعة؟

* هذا البحث عن التكافؤ سوف يجد نفسه مضطرا إلى إعادة النظر للذات وتحكيم النقد الذاتي، سوف تلح ذاتنا على فرض نفسها بقوة الأمر الواقع أيضا؛ تماما كما نشاهد أوضاعنا اليوم: اختلاط الحداثة بالتراجع وبالتأصيل. نحن الآن في قلب طاحونة الشيء غير المعتاد. لا شيء فرض نفسه؛ لكن كل شيء يتجاور ويتحاور بالتي هي أحسن وبالعنف أيضا!

9-ما الدور الذي تتمثل المترجم العربي فيه؟

– معظم المترجمين العرب جاؤوا من خلال رغبة شخصية، ولم يتلقوا أي تكوين إلا ما نحتوه بأظافرهم. لكنهم ظلوا مهمشين، ومهددين بإعطاء أولويتهم ودورهم لمن هم أقل كفاءة. بأكثر من عشرين كتابا مترجما – وهو رقم قياسي في تونس- ( فضلا عن الكتب المؤلَّفة) لم يكن لي شخصيا أي دور في المركز الوطني للترجمة الذي أنشأه رئيس الترجمة ورئيس الدولة سابقا، في تونس، مع أتباعه الذين عاقبوني في أول مناسبة لأنني تكلمت. وفي الحقيقة لا أتصور نفسي مسؤولا عن الترجمة في جوانبها الإدارية تماما كما لا أستطيع أن أكون ناشرا. دور المترجم أن يكون مترجما، لكن مع حصانة مادية ومعنوية، تقدر كفاءته وعطاءه أولا وأخيرا.

مجلة العربية والترجمة.jpg*

assabah لوغو الصباح

مضطهدو الأمس يعيدون إنتاج ثقافة مضطهديهم
حوار : علياء بن نحيلة

ميراث بورقيبة وعبد الناصر أنتج خلافتين وثورتين متشابهتين.
لا شيء في الثورة التونسية له علاقة بالشهرين المذكورين إلا اندلاعها وانتشارها وبداية تعثرها النسبي، أما كل ما هو خلاف ذلك فكان تراكما ينتظر الوعي به، كما ينتظر أسلوبا غير تقليدي، لا تقوده المعارضة القديمة ويفاجئ العالم.
كان القهر متراكما في تونس ليس في العقدين الماضيين فقط بل منذ الاستقلال. تربينا على الثقافة الواحدة، وعلى الديكتاتورية المتفاوتة، وعلى التنمية الجهوية المنحازة، وعلى قمع الصوت المعارض وتصفية الصوت الفاعل. لماذا انتشر مصطلح الحنين إلى «العكري» ( فرنسا الاستعمارية) منذ تقدمنا في إهاب الاستقلال ممعنين في الخيبات بعد تلاشي الحماسة الأولى؟ ولمَ هاجر الطلاب نحو النظريات اليسارية في الداخل كما في الخــارج؟

هكذا بدأ الأستاذ محمد علي اليوسفي الذي كتب الرواية وقرض الشعر إلى جانب اهتمامه بالبحوث والدراسات والنقد وأدب الرحلة والسينما – في حديثه كمثقف حول ما يجري اليوم في تونس اليوم وإجابة عن سؤالنا – الثورة في تونس هل لها جذور وخلفيات ومرجعيات أم أنها وليدة ديسمبر/ جانفي ويواصل:

1 ) الثورة في تونس هل لها جذور وخلفيات ومرجعيات أم أنها وليدة ديسمبر جانفي؟

* لا شيء في الثورة التونسية له علاقة بالشهرين المذكورين إلا اندلاعها وانتشارها وبداية تعثرها النسبي، أما كل ما هو خلاف ذلك فكان تراكما ينتظر الوعي به، كما ينتظر أسلوبا غير تقليدي، لا تقوده المعارضة القديمة ويفاجئ العالم. كان القهر متراكما في تونس ليس في العقدين الماضيين فقط بل منذ الاستقلال. تربينا على الثقافة الواحدة، وعلى الديكتاتورية المتفاوتة، وعلى التنمية الجهوية المنحازة، وعلى قمع الصوت المعارض وتصفية الصوت الفاعل. لماذا انتشر مصطلح الحنين إلى “العكري” ( فرنسا الاستعمارية) منذ تقدمنا في إهاب الاستقلال ممعنين في الخيبات بعد تلاشي الحماسة الأولى؟ ولمَ هاجر الطلاب نحو النظريات اليسارية في الداخل كما في الخارج؟ كانت تونس قد ودعت شهداءها لتتكثف دماؤهم في مجاهد واحد كبير، بل أكبر. ما لبث أن أتانا بأمّ عندما خال أننا يتامى،  فصار الشعار الذي عايش طفولتنا: ” أبو الشعب وأم التونسيين”. لكن الوعي ظل مقتصرا على النخبة، والنخبة هي التي دفعت الثمن في الغالب حتى ذلك الوقت. وأعقبت ذلك تحركات شعبية وأخرى مسلحة ومحاولات انقلابية، إلى أن ترهل العهد البورقيبي الذي حُسمت شيخوخته بتوريث الأكثر دهاء ومكرا وعمالة لـ “محاربة للفساد” هذا ما كلف به بورقيبة زين العابدين في أخريات أيامه. فكان كمن هرب من القطرة إلى الميزاب: فنشر الفساد بدل استئصاله. ولعل في ذلك شكلا من أشكال مكر التاريخ وفق مقولة هيغل. التاريخ الذي لا يبالي بضحاياه من اجل تحقق الفكرة؛ وكما عين بورقيبة خليفة لمحاربة الفساد، فأفسد الزرع والضرع، جاء الخليفة ليعلن سنة تاريخية للشباب قائلا إن الشباب ليس المشكل بل هو الحل! ونعرف ماذا صنع الشباب بأصل المشكل!

أيّ ثورة هي تراكم، وأي فعل ثوري هو مجموع دموع وآهات وقهر وممانعة. ما من حاجة لتبجح المناضلين بنضالاتهم كما يفعلون اليوم، وكما يفعل الملتحقون بهم، ولو في الدرجة الثانية من قطار الثورة، أملا في بلوغ المقاعد الأولى لاحقا. الثورة صنعها أبناء تونس الذين غضبوا والذين خافوا والذين ثاروا. أية دمعة قهر في قرانا النائية ساهمت بدورها في هذه الثورة، وجاءت اللحظة المواتية والمحملة بما يؤدي إلى التحام القهر بالوعي فحدث الانفجار الصاعق.

2 ) ألم يستشرف الشعراء والأدباء هذا الوضع الم تكن الروايات والقصائد في تونس تناضل بالتصريح والتلميح خاصة للأوضاع المتردية في البلاد؟

* المثقفون مثل أفراد الشعب الذي ينتمون إليه، شاركوا في الممانعة بهذه الدرجة أو تلك، كأفراد اجتماعيين، لكن لهم وسيلة تعبير إضافية هي لغة الفنون. ميزة الفن أن له  نبضَ مقاومة، كثيرا ما يتجاوز صاحبه حتى لدى الموالين للسلطة. فما بالك لدى الغاضبين والمنشقين. لذا لا أرى أن المثقف في حاجة إلى الرجوع لأعماله القديمة ليذكرنا بأنه تنبأ بالثورة كما يفعل البعض في هذه الأيام. أي كاتب له ما يشير إلى الثورة ولو تلميحا لأن القهر كان همًّا مشتركا. وكتم الرأي ينطبق على المهادنين والموالين والمسترزقين أيضا ممن لم يجيدوا الانبطاح أو سيطر عليهم دهاة المهنة من المزايدين عليهم.

3)  لاحظ أغلب الناس غياب أو تغييب المثقف التونسي عن الملفات التي حللت أوضاع تونس قبل وبعد الثورة هل هذا صحيح ؟

* المسألة لها علاقة بالثقافة في هذه البلاد كما في بلدان أخرى شقيقة وشقية. كان الرئيس الهارب يكره الثقافة والمثقفين ( فأحدث لهم يوما خاصا بالتوسيم!) وهو الذي زرع ثقافة التهميش رافعا شعار “لا لتهميش الثقافة وثقافة التهميش”. هو محق طبعا لأنه لم يأت من العدم بل من ثقافة تواصلت لمدة قرون. الثقافة هي حصانة المجتمع وحصانة أي ثورة لا تريد الانقلاب على نفسها نحو موروث السلف الصالح كما يحدث عندنا من تنازعات نحو الماضي القريب والبعيد. وإلا ما تفسير الهروب حاليا إلى الخلافة، وبورقيبة، والسلف الصالح، دون أن ننسى الثقافة الفرنكوفونية التي تتبجح بمصطلحات لايفهمها الشعب ولا تطبق حتى في كاتدرائيات باريس، البنت البكر للكنيسة، حسب رامبو؟

4 ) إعداد الدستور هل هو من اختصاص أهل الاختصاص في القانون أو المثقفين بالمعنى الموسع للكلمة لماذا؟

* هذا تقنين لثورة تفتقر إلى الثقافة. ستخرج علينا بقوانين تفتقر إلى الروح  وربما تؤدي إلى تكريس ثقافة غيبية الروح.

5 ) بدأت الحملة الانتخابية  للأحزاب وبدأت الوعود ولكن ولا حزب تقريبا خصص مجالا للحديث عن مشروع ثقافي ؟

* كم كانت مزدهرة أعوام ما قبل الاستقلال ومقهى تحت السور وعطاء تلك الفترة بكتابها وصحفها ! أما الآن وهنا، فتلتقي الضحية بالجلاد. مضطَهدو الأمس من السياسيين يعيدون إنتاج الثقافة السائدة لدى من ربّاهم  وكان يضطهدهم. المهم سياسة الكسب السريع. أم علينا أن نرحب بذلك ونقول إنه من الأحسن أن يتركوا الثقافة لمنتجيها أفضل من تخريبها؟

6 ) هل صحيح أن وضع تونس اليوم لا يحتاج للعمل الثقافي وخاصة للفنون؟

* من الذي يدعي ذلك؟ قد تتعرقل الفنون في مثل هذه المرحلة الانتقالية. أما ما عدا ذلك فإما أن يكون صادرا عن سوء نية أو عن نزعة ثورجية خبرناها سابقا لدى الحركات اليسارية الناشئة. لكننا لا نتسرع الآن في الحكم على النوايا. وفي كل الأحوال لابد أن تقفز الثقافة إلى الواجهة ولو على حساب الدور المبالغ فيه للرياضة التي تستهدف صيد الوقت والجهل بحجر واحد. والمقصود الرياضة كحيز تثقيفي وإعلامي مكرس بكثافة طاغية، وليس كممارسة. فلتكن تحت صخب إعلامي أقل… على الأقل.

7 ) اليوم وفي هذه الفترة الحرجة من حاضر تونس هل يحتاج المواطن لأن يقرأ أو لأن يكتفي بالاستماع إلى تحاليل الآخرين؟

* بعد أن هدأت الفورة الأولى من الثورة سمعت الكثير من الشباب يتحدثون عن حاجتهم للتثقيف السياسي، والتثقيف السياسي ليس التثقيفَ الحزبيَّ ذا التوجه الأحادي. هذه الحاجة تعكس افتقارنا للقراءة. الصورة والنت يقدمان الثقافة الأفقية الرائعة ذات التأثير الأكبر، لكنهما يتميزان بسطحية الشاشة الملساء والفكر الأملس. وإذْ سبق لنا القول إن الكتابة فعل ممانعة ومقاومة، فلا بد من القول إن القراءة هي كذلك أيضا، لكن لشريحة أوسع.

8 ) كيف ترى تعامل المواطن التونسي الذي لم يتعود التعددية مع كل هذه الأحزاب؟

* هذه ليست مشكلة المواطن العادي وحده. هي مشكلتنا جميعا. هل لنا حزب مقنع أو شخصية مقنعة؟

سيستقبل المواطن كل ذلك بالسماع الشفوي وبالوقوع في دائرة التأثر بمن يحيطون به. سيتساءل كثيرا ويسأل. حتى يتأكد لاحقا بالممارسة التي سوف تراكم عنده خبرة سياسية. قبل ذلك سيتصرف بطيبته وبالعاطفة التي تميزه. وقد شاهدنا أمثلة كثيرة على ذلك: أحبوا بساطة وزير الداخلية السابق وصدقه العفوي، فنادى الكثيرون بانتخابه رئيسا، وقبله أحبوا رشيد عمار، وهو العسكري، وتنادى الكثير من الشباب لجعله رئيسا. العاطفة موجودة لدى الشباب كما لدى الكهول، لكن الثقافة السياسية مازالت متدنية، وهي ثقافة تتوقف عند السطح وقابلة لعصف الأهواء نتيجة التربية “البطرياركية” أو أبوية الشأن السياسي منذ عهد الاستقلال.

9 ) يعاني السكان في تونس اليوم من عدم الشعور بالأمان فما هو الحل؟

* أعتقد أنها مرحلة انتقالية لابد منها في كل الثورات. ولعلها المرحلة الأفضل مقارنة بالثورات عبر التاريخ وعبر العالم. حتى عدد رصاصات القتلة كانت محدودة مقارنة بما عرفنا ونعرف الآن في الجوار.

10 ) وهذا الحديث عن معارك الأحياء والجهويات والعروشية التي أراحنا منها بورقيبة وعادت بعد الثورة بقوة ؟

* لا أعتقد أن بورقيبة أراحنا منها. هو حاول فقط، ونجح بهذه الدرجة أوتلك. المشكلة أننا عندما نسكن الحواضر الكبرى التي تتفتت فيها روابط القبيلة، نظن أن البلاد كلها على شاكلة عاصمتها ومدنها الكبرى. الثقافة القديمة تعيد إنتاج نفسها في غياب ثقافة بديلة حقيقية. قرارات بورقيبة في معظمها كانت فوقية. والقرارات الفوقية لا تنجح إلا بالسلطة الديكتاتورية ( غياب الأب يجعل الأبناء يشتبكون في البيت!) لنا أمثلة أخرى عن ديكتاتوريات أعتى مما كانت عليه في تونس: ألم نفاجأ بقوة العشائر في العراق بعد زوال ديكتاتورية صدام حسين وشعار العلمانية النسبية في أدبيات حزب البعث، كما أن لنا اليوم في ليبيا مثالا آخر صارخا؟

11 ) إحياء ذكرى وفاة الحبيب بورقية في أي إطار تنزله والى أي مدى يحتاج إليه المواطن التونسي اليوم؟

* ميراث بورقيبة وعبد الناصر وهما “الصديقان اللدودان” أنتجا خلافتين متشابهتين وثورتين متشابهتين. لكن بالنسبة للاحتفاء ببورقيبة فهو أمر مفهوم كتعبير عن حرمان سابق من توديعه بما يليق به. لكن الأمر ليس بهذه البساطة: هناك عدة عوامل راهنة تلعب دورا في هذا التهليل المبالغ فيه. وأتمنى أن كون مخطئا في عدة جوانب سأذكرها وهي قابلة للنقاش لكنها لم تعد قابلة للرقابة أو “الصنصرة” كما أعتقد:

1- يقال إن المفلس يعود إلى دفاتره القديمة: وهنا نحن أمام ظاهرة الانتقام من فساد “الهارب” بفرض طيف “المتوفي” في محاولة لاستعادة الأب المعنوي.

2- ونظرا لغياب زعيم في حاضر غامض، فلنستورده من ماضينا العتيد، كما نفعل أيضا على المستوى الحضاري العربي إجمالا عندما نستقدم أبطال العروبة والإسلام لنقارع الحاضر المدقع.

3- ذهنية العربي التي لم تتخلص من فكرة الزعامة ( ولو مدى الحياة!)، والحال أن الزعيم ليس سوى فكرة تسكن العقل فتعرقل وظائف التفكير فيه. ويضاف إلى ذلك مقولة اذكروا أمواتكم بخير؛ وهذه المقولة جعلت الكثيرين يركزون على إيجابياته ومنها نشر التعليم، وكأنما إلزامية التعليم وإجباريته لم تشهدهما بلدان عربية أخرى لم يحكمها بورقيبة! وهي في كل الأحوال لم تكن منّة.

 4- رغبة البعض في التمسك بمنجزات بورقيبة تجاه المرأة وهذا واقع فعلي وليس كما ذكرنا بالنسبة للتعليم.

5- محاولات العودة إلى البورقيبية النقية وتتضمن خطرين مفترضين: من جهة، عودة الحزب الحاكم في ثياب العيد، ومن جهة ثانية، استعادة صراع جهوي شبه خفي في تغيّرمنابت السلطة التونسية منذ الاستقلال وصولا إلى “الهروب الكبير”، أي طيلة أكثر من نصف قرن. وفي هذا المجال أتذكر زوجة فرنسية لصديق تونسي قالت منذ قرابة ثلاثين سنة: لكي تتطور تونس بتوازن حقيقي لا بد أن يكون لها رئيس من ولاية مختلفة في كل دورة!

12) بالنسبة لإصلاح الوضع الثقافي في البلاد ما رأيك في الدعم الذي تقدمه الدولة هل هو وسيلة نهوض بالفنون أم انه مكبل لها باعتبار المثل القائل ” اطعم الفن تستحي العين” وأي آلية تقترح لمساعدة المبدعين على تنفيذ أعمالهم؟

* هذا يتوقف على شكل الدولة القادمة. هل ستكون مستغلة للثقافة أم مشجعة على إنتاجها؟ وهذا متوقف أيضا على الأحزاب القادمة، هل ستكون مستغلة للثقافة من أجل برامجها المرحلية أم مشجعة على إنتاجها؟ وفي كل الأحوال هذه ينبغي أن تكون مهمة المجتمع المدني إذا كان يريد حماية نفسه وحماية مسيرته. فعندما تتوسع دائرة داعمي الثقافة من خارج السلطة تزداد فاعليتها وتأثيرها واستقلاليتها ونجاحها في تحصين المجتمع وتخليصه من ثقافة التهميش التي نجحت في فرض الحاكم الهامشي واستبداده.

Top ↑ Haut ↑ فوق

>

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s