قراءات أخرى


روايتي “مملكة الأخيضر” في أطروحة جامعية، وترجمة إلى الإيطالية، في جامعة باليرمو، بعنوان ” الطفولة والأحلام والفانتازيا في مملكة الأخيضر” للكاتب التونسي محمد علي اليوسفي
*

Photo de Mohamed Ali Yousfi II.
*
Photo de Mohamed Ali Yousfi II.

*

al arab-logoمحمد علي اليوسفي ورقصة الكنغرس

الشاعر التونسي يرسم صورة شديدة المأسوية عن ثورة بلاده في إصداره الجديد، ويُبدي موقفه عن التدخلات ‘الكارثية’ للكونغرس في مسار الثورات.

العرب – عمر شبانة

عمر شبانةOmar  Shabanah

[نُشر في 01/12/2013، العدد: 9396، ص(13)]

الشاعر محمد علي اليوسفي: طواف نقدي في فضاء الدم العربي

لم تعد مقبولة “مجاملة الخريف” الذي يعصف بثورات “الربيع العربي”، ومجاملة ما آلت إليه هذه الثورات من تحولات هدّامة، فالعيون والعقول والوعي الجمعي تتجه كلُّها لمراقبة ما يجري، ورفضه ومحاولة مواجهته بما أمكن من سلاح. وللشعر سلاحه في هذه المعركة، هذا ما تنبئ به وتدعو إليه نصوص الشاعر محمد علي اليوسفي في كتابه “رقصة الكنغرس”، الذي يطوف من خلاله في أزمنة وأماكن “الثورات” التي جرى اغتيالها بأدوات وأساليب عدة، دموية على الأغلب، ومن قبل فئات مختلفة، من “فلول” السلطات المنهارة حينا، ومن القوى الظلامية أحيانا أخرى.

اليوسفي في كتابه “رقصة الكنغرس” الصادر عن الدار التونسية للإبداع، ضمن”سلسلة مرافئ الإبداع”، والمهدى إلى “الثورة التونسية” “التي أكسَبتْني حرّيةَ التعبير عن الألم..”، يتساءل على سبيل التحريض: “من منّا يرفس كالطفل المغتاظ وراء الباب؟”، فما جرى في تونس ليس سوى”ربيع هشّ”، إذ أن”الثورةُ التي ألْهَبَتْ وردةَ الرّياحِ في الرّمال/ ونزفَتْ من أجلها شقيقةُ النُّعمانِ في الحقول/ تقودُها الآن حكمةُ القبور/ مالئةً رئاتِنا بعَجاجِ بخورٍ فاسد…”، هذا هو الوصف الذي “يليق بالثورة التونسية”، بحسب رؤية الشاعر اليوسفي في ما يخص تونس.

ثعالب الربيع

صورة شديدة المأسوية هذه التي يرسمها الشاعر هنا، حيث الانقضاض على الثورة من غير جهة، لكن من يدّعون حمل راية الدين يتصدرون المشهد، حيث “مِنْ ألفِ سقيفةٍ تعلو سورةُ الرّحمن…”، وليس موقف الشاعر من قبيل العداء للدين، بل العداء لهذه الجهات الظلامية. ولعل الخلاف الأبرز للشاعر، بعد الخلاف مع الكونغرس والسلطات عموما، هو مع قوى الظلام، وما يسمى بالسلفية، إذ يقدم الشاعر تشريحا مكثّفا لهذه الفئة من المجتمع، لكنه يرى أن ثمة من يتقمّص (يركب) هذه السلفية ويرتكب الجرائم باسمها، فنقرأ “ليس سلفيا/ هذا بلطجي/ لم تسبق لي رؤية سلفي حافيا”.

الشاعر يتنقّل بين قضايا وهموم الثورات وربيعها وخريفها

وتختلط القوى في عبارات تحمل دلالات من عوالم الطبيعة، من الخريف والشتاء مثلا، كما في قوله “بعد خريفٍ كادتْ تتوِّجُه الأبديّةُ ملكًا، روَّعَنَا مطرٌ وثلج. فانتظرْنا الربيعَ منتَبِهين إلى ثعالبه”.

وليست هذه سوى لغة ترميزية لتؤشر على وقائع لا يريد لها الشاعر أن تكون في صورتها المباشرة.

منذ العنوان يبدو موقف الشاعر تجاه ما يمثله الكونغرس الأميركي، من خلال تدخلاته الكارثية في مسار الثورات، والسعي إلى حرفها عن مساراتها “الثورية”، ودفعها إلى دهاليز الاقتتال الداخلي، وتحويلها إلى عبء على الشعوب، من دون أن يكون هذا التدخل مباشرا، وحتى من دون أن تخسر أميركا ولو طلقة واحدة، فضلا عن خسارة جندي من جنودها. هذا ما يمكن استنتاجه من العنوان، حيث الكونغرس يرقص على جثث ضحايا ما سمّي بـ”الربيع”، بعد أن نجح في تحويله إلى فصل من الخريف الدمويّ.

لكن الكونغرس ليس وحيدا في هذه الحرب على “الربيع”، بل إن أدواته محلية وعربية أولا وأخيرا، وما هو إلا محرّك لها، وثمة مسببات لهذه الثورات يجري الالتفاف عليها من قبل القوى التي “ركبت” الثورة، فخلقت أسبابا لثورة جديدة، وهنا يقوم اليوسفي بإعادة ترتيب “روايته”” لما حدث، فما يزال “التّعب هو التّعب: حاملًا طبولَه ومزاميرَه/ أرْغفَتَه الجارحةَ كجذْع/ سلالَ الخضارِ التي أنضجتْها أصابعُ البائعِ”، ومع أنّ “بِنْيَةُ النظامِ المُهرَّبِ تجشّأتْ عبر المجاري”، إلا أن ّ”الفقيرُ عاد إلى الصّراخ في وجه الثورة”. لا بل “صرنا نرى الشهيدَ قبل أن يسقط/ والثائرَ الذي سوف يلاحق الحكومةَ الجديدة من أجل تركيبِ ساقٍ اصطناعيّة/ والأمَّ التي ستبكي ابنَها بقيّةَ العُمْر/ وعيناها جمرتان على شاشةِ المُنْتَصِر”. فأي ثورة تحققت إذن؟ إننا حيال مشهد من التراجع نحو مزيد من البؤس والتخلف لا التقدم.

تجري الرياح..

وفي المشهد، يقرأ اليوسفي كونه مفجوعا “من شعب جاهل…”، لكن الفجيعة الأعمق هي في الاحتفاليات التي طفت على سطح الثورات، من قبل الفئات الواعية في المجتمع، فيرى الشاعر يحتفي بها على نحو “نرجسيّ”، والمغني وقد عدّلَ النوتة إكرامًا للمجلس، والمفكر يخضع واقعَهُ للفكرة. وهذا كله إشارات على انعدام الوعي بما جرى ويجري، وربما كان هذا من أخطر ما عانت منه الثورة ومن أطلقوها، إذ فقدوها في وسط هذا العماء. وفي هذا المناخ فقد الجميع الثقة بالجميع، لأن “الثِّقةُ لا تُعْطَى، بل تُكتَسَب، وانعدامُ الثقةِ ليس شرًّا كلُّه، فهو منارةُ الحارسِ الغافي بعينٍ واحدة؛ والثقةُ العمياء لا تُوَلِّدُ إلا مُسوخًا”.

وفي الحقيقة أن “لا شيءَ سار كما اشتهتْ مراكبُنا، مراكبُنا التي انطلقت في الشتاء لتصنع الربيع حتى جرَّنا الصيف إلى منعطفات الخريف”. إذ بينما الثوار يطلقون ثورتهم، نرى “الأسياد يُعيدون كتابةَ التاريخ، بعد أن فاجأَتْهم ثغراتُ ماضيهم في منعطفات البلاد”، وإلى ذلك “مازلنا نؤمن بأن البحارَ تزخر بقراصنتها الجدد، وإنْ أحاطوا بنا في أزياء أحدث وأجدّ. ولم نكنْ قد هيَّأْنا قباطنةَ بحار، لطول ما خذلَنا كلُّ ريّس جرَّنا من مدننا وجبالِنا وسهولِنا، وعيْنَاهُ على حاضرةِ مملكةِ تونس المحروسة، مُمْسِكًا بقرن الثور في نهاية المطاف، ظنًّا منه أنه روّض الثور، ناسيًا أنَّ للثور عضلاتٍ موزّعةً على امتداد الجسم…”.

يتنقل الشاعر بين قضايا وهموم الثورات وربيعها وخريفها، يلتقط ومضة من هنا، وحلما غامضا من هناك، ويقف على الأوهام، ومن ذلك خوفه على ابنته من الفوضى التي تسمى حرية “مازلتُ أتمنّى ألاَّ أخاف،لا منكِ، ولا عليْكِ، عندما أراكِ تقتربين من فوضى الحرّية مثل فراشة”. وعلى مستوى آخر يختار التقاطة العلاقة بين التونسيين المختلفين رغم كل ما يجمعهم، خصوصا على صعيد القهر الذي يطال الجميع، فنقرأ “لعلكَ صرخةُ قهرٍ/ تكهْربُها في شرايينكَ النارُ مِنْ مُقْلَتَيْ تونسيٍّ جريح/ لعلكَ… مثلي/ لعلّيَ… مثلك../ لكننا، رغم هذا التشابُهِ، لا نلتقي في طريقٍ صحيح…”.

ومثلما يتجول اليوسفي في ثنايا وطنه الصغير تونس، يطوف في أرجاء من الوطن الأكبر شهدت ما شهدته تونس على نحو ما، خصوصا لجهة الخراب والدمار على أيدي قوى عدة، فنراه في سوريا مرة، وفي بابل العراق حينا، كما نراه في فلسطين أيضا. وكما يتنقل بين قضايا الثورات، فهو يتنقل حتى داخل الأسئلة الثقافية، والشعرية منها خصوصا، فيتناول “موت الشعر” في نص متميز. وينتهي إلى سؤال يمزج الوجودي بالوطني والإنساني في نص باسم “محمد علي اليوسفي”، ينظر فيه إلى نفسه من الخارج متسائلا “هل جئتَ تسألُ عنِّي؟ لقد متُّ منذ زمن. لكنَّ الحركةَ الكامنةَ في دولةٍ تعْقبُ دولةً، حقَّقتْ لي رغبَتي في الحياة…”.

ومن أجواء الديوان نقرأ من قصيدة”أجمل الساحراتِ.. سورية” قول اليوسفي:

“هنا الشامُ ترفس في بطنها القدمُ

أجملُ الغرباءِ يجيئون مِنْ سوريا،

أو يظلّون في سوريا، قومَها الأوّلينْ.

كلُّهم رفعوا شُرفتي…

* * *

أجملُ الكُردِ في سوريا

حين تنفخُ روحُ أزادي

على قصَبِ الجُقْجُقِ المُرْتَوي،

أو على جمرةٍ من جنونِ عامودا،

* * *

أجملُ الوقتِ عيدٌ يزيِّنُ برْشينَ أو بابَ تومَا،

أجمل القادماتِ السويداءُ حين تحلُّ ببيتي،

أجملُ الساحراتِ هي اللاذقيّةُ مبلولةَ الشَّعرِ والحاجبيْن،

أجملُ المستغيثاتِ طَرطوسُ في رعشةِ الميجَنَا والعتابَا؛

فمن أيّما رغبةٍ جبَلَ الله طينةَ حمْصٍ،

وضحكةَ حمصٍ،

وجارتَها فيفطور الصباحِ؛ حماةَ؟

أما زلْتَ تذكرُ تلك العجوزَ، يؤرّقها فارقٌ بين ماعزِ درعَا وتونسَ؟

أيامَك المستظلةَ بالشامِ؛

لمّا بدأتَ تجاورُ لكْنتها في العشيّاتِ، بين ” زملْكَا”، و”جوبرَ”

والمشمشُ الغرُّ، من غمزةٍ، يُعلنُ النضجَ بين يديكَ؟

أتذْكرُ كيف تعلّقتَ باسم الفقيرةِ: داريَّا؟

فاستشاطتْ دمشقُ؟

* * *

أين جسمُ الملاكِ الذي طار من قاسيونَ إلى التلِّ،

كي يتبخترَ في الصالحيّةِ بين المرايا؟

فكدتَ تطيرُ بكأسِ عرقْ،

غيرَ أنك طمْأنتَهُمْ: لستَ طيراً ولكنه بعضُ ريشٍ نطقْ!”.

***

تحية


محمد علي اليوسفي: مبدع قدّ من الضوء والدانتيل


منيرة رزقيmrezgui3


هو «كائن اركسترالي» كما وصفه أحد أصدقائه، كلماته مزيج بين شفافية قطرات الضوء ونعومة الدانتيل. وهو يشبه كائناته الحبرية السحرية الشفيفة الى حدّ التماهي. ويحمل في قلبه خضرة المروج التي شهدت طفولته وصباه وفي طباعه هدوء ووداعة الفصل الذي جاء فيه الى الدنيا.
والكتابة ملهاته ومتعته والتسلية التي لا تضاهيها أية تسلية لديه. فهو يرى الابداع بمثابة لعبة كبرى يمسك اطراف خيوطه بحرفية اللاعب الماهر فيهدي الينا تلك الاعمال السردية والشعرية الفذة والمتفرّدة، تلك التي حصدت النجاح ونالت عديد الجوائز كرواياته الشهيرة: «توقيت البنكا» و«شمس القراميد» و«مملكة الاخيضر» و«دانتيلا» و«عتبات الجنة» ثم «بيروت» و«نهر الخيانات» ومجموعاته الشعرية ايضا مثل «حافة الارض» و«امرأة سادسة للحواس» و«ليل الاجداد».

حديثنا عن الشاعر محمد علي اليوسفي الذي يحتفل في هذه الفترة بعيد ميلاده التاسع والخمسين (ولد يوم 3 مارس 1950) وكما جال في مجاهل الكلمات شعرا ونثرا ونقدا وترجمة فهو ايضا جوّال في المدائن فدمشق وقبرص وبيروت كلها احتضنت خطاه واقتات من صخبها وتوزعت ذكرياته على ارصفتها ومقاهيها لكنني أحسب أنه انحاز اخيرا الى تونس التي كان يعود اليها دوما كلّما اضناه السفر وقد اختار ان يستقر فيها أخيرا.
واذا كانت ابداعات الكاتب محمد علي اليوسفي الكثيرة والمتنوعة قد نالت حظا وافرا من النقد فان تجربته في حقل النقد جديرة ايضا بالتوقف عندها وقد حصدت النجاح ايضا وهي أكبر من ان تختصر في كلمات ولا يمكن الحديث عنها في سطور فقد ترجم «حكاية بحّار غريق» و«خريف البطريرك» لغابريل غارسيا ماركيز و«الخياطة الصينية الصغيرة» لداي سيجي و«ناراياما» لشيتشيرو فوكازاوا و«مملكة هذا العالم» لأليخو كاربنتييه و«البيت الكبير» لألفارو سيبيدا، والمنشق سيرة نيكوس كازانتزاكي بقلم زوجته. كما ترجم ايضا «من تونس الى القيروان: رحلات غي دي موباسان» ثم «بلزاك والواقعية الفرنسية» لجورج لوكاتش و«بدايات فلسفة التاريخ البورجوازية» لماكس هوركهايمر.
ولأن محمد علي اليوسفي اهدانا كثيرا من المتعة المعتقة في كل ما كتبه فاننا نهديه هذه التحية وهو يحتفل بعيد ميلاده وبولادة ديوانه الجديد «ليل الاحفاد» وبمشروعه الابداعي الكبير الذي يعدّ اضافة حقيقية للمشهد الثقافي العربي.

النص من مصدره هنا


الاربعاء 18 مارس 2009

قراءات أخرى

مختارات من ليل الأحفاد


وقيعة

عايَشْتُ اسمي مغربًا ومشرقًا

حملتُ مقاتلَ المنفيِّين

إلى ما تفعله الجزر بماسكي القُلُوس

تآلَفْتُ مع الثَّبَجِ والدّوار

وكاد اسمي يتسع إلى اثنين

فتجرّعتُ حياتَيْنِ  في كأس

… وهأنذا أفاقم في الوقيعة القادمة


دانية


أنا على تلّة

أُشْرِفُ منها على بساتين ممطرة؛

وهي نائمة في ليل دمي إلى أبعد من نهر

لا تغادر صدري

وبجفنيْها تسوقني؛

بحركتيْن

أضفر الحروف فخًّا

حتى أفاجئها


هامش

أخيرًا

لنفترضْ أننا جئنا بطفلة

ملتبسةٍ مثل القرفة

ولها رائحتها،

فلوّحتْها الشمس،

وربما نحرتْها من الوريد

بشعاع منكسر…


فما جدوى الهامش؟

هل نقول : إننا نُحصي الحياة؟


رطوبة

لنبدأ من النهاية إذًا

الشيخ الذي لم يترك إرْثًا مجيدًا

لا يرفع أحفاده عاليًا

وأصغرهم يكبره بضرْسٍ واحدة؛

إنه شيخٌ يقاتل أشباحَهُ في النّهار

ويسير، في ليلِهِ، متشنِّجَ الظَّهْر

وإذْ يُمْسك بوسادة حتى ممرّ الموتى

يتدفّق أبناؤُه من رطوبة نسائهم

ويفاجئونه

رافعين أبناءهم في الضّوء…


صقيع

جئنا الدّنيا لنرانا:

ضيَّعْنا جمْرَ العمر

نُذيبُ صقيعَ العمر


وكنّا نعرف أن الموتَ سؤال

قُراد دافئ على جلد هشّ

مقتطفات

(1)

كفى ما تحدَّثْتُ بالظُّفْرِ والنَّابِ عن مخبإ الصَّيف واللَّوْنُ ينزاح عن كائنات الخريف.

تُلاحقُ ذاكرتي خطوات الطَّوارق؛ قافلةٌ من برَانسَ تدْبي ورائي.

يفاجئني ظلُّها المتطاولُ حتى مسائي.

ولكنني لم أقلْ: مغربٌ عَنْجهيٌّ، يُعيدُ صداه لشرقٍ، يقود نساء طوائفه كالنِّعاج؛

إلهي لك الحمدُ شَرْقًا وغربًا،

تنقَّلْتُ في الشَّرق كالفقهاء

ولم أُدْمن الملْحَ والكَبِدَ النَّيْئَةَ.

(2)

قلتُ: توحَّشْتُ؛

أبدأُ من البداية إذًا،

بدأت.

كانت خدعةً لي:

أُرْسِلُ الكلِمَ ثم أجيء.

أفي جزيرةٍ أرْسَيْتُ فلاحتي؟

أنْكرْتُ على زوايا البيوت عناكبَها وتعايَشْتُ مع عناكبي.

سوف أراكم حين أبتعدُ،

ثانيةً رأيتُ.

سلكْتُ سلوكَ المنفيِّين

دهاقنةَ الأمكنة

يرسمون في نميمة اللَّيل خُطَطًا لخضوع النَّهار

(3)

( كيف تطلبون منّي…)

تقذفهم أحراجُهم مثل حصى المقاليع:

الكرديّ

السُّوريّ

العراقيّ

اللّبنانيّ

الفلسطينيّ؛

أوَّلُهمْ سَفَّاحُ زَغَبٍ وفَرْوٍ

رَعَوِيٌّ،

اِلْتَهَمَ قطْعانَهُ ليتسلَّى عن الرَّأي العالمي، بقنص الهدهد.

آخرُهم يدبُّ في صمت العالم

يكشف عن قطرةٍ صافية

لا هي تهوي ولا هي تعود

تحَجَّرَتْ معلَّقَة

تَبَلْوَرَتْ في الضَّوْء

حارقة الأكباد، خرزة المنفى، اللاَّمَكان:

كلّ مكان.

(4)

كلُّهم سِهامٌ مائلة

( أزْوَغُها دِجْلَة، لا يستقرُّ في سرير جديد)

(5)

يريدون وطنًا،

أريدُ.

أهلكتْني أغنيتي،

كادتْ

وهل منْ طَنْطَنَتي،

تستدركون،

فأتمنَّى لكُمْ وَطَنًا ؟


صدر حديثا

«ليل الأحفاد»

لمحمد علي اليوسفي

من المشهد المكبّر إلى الصورة المصغّرة

رشا الحضري

عن الهيئة العامة السورية للكتاب – وزارة الثقافة – صدرت هذه الايام مجموعة شعرية جديدة لمحمد علي اليوسفي وتتضمن اربع عشرة قصيدة، من بينها نذكر : «وقيعة» «دانية» «حكاية عن العائلة» «المغاربة

»…
جاء الكتاب في اثنتين وستين صفحة من الحجم

المتوسط ويضم قصائد كتبت في حقبة زمنية بين 1988 وجاء هذا الاصدار بالموازاة مع تظاهرة دمشق عاصمة للثقافة العربية. يحتوي الكتاب على عدة اقسام من بينها :
:لم تكن الحياة اجمل كانت اجمل» و«تسعة تآويل من اجل جزيرة»ليستهل جملة القصائد بقصيدة «وقيعة» ومن مناخاتها

:
عايشت اسمي مغربا ومشرقا
حملت مقاتل المنفيين
الى ما تفعله الجزر بماسكي القلوس
تآلفت مع الثبج والدوار
وكاد أسمي يتسع الى اثنين
فتجرعت حياتين في كأس
وهانذا آفاقم في الوقيعة القادمة

ومحمد علي اليوسفي شاعر حداثي ذو جملة شعرية تتسم بالغموض حينا وبشفافية العبارة احيانا اخرى دون ان ينأى عن الواقع الذي يكتوي بحرائقه

وهو كما نعلم شاعر تونسي درس المرحلتين الإبتدائية والثانوية بتونس ثم انتقل ليدرس الفلسفة والعلوم الاجتماعية بجامعة دمشق ثم في مرحلة اخرى في لبنان وهو في شعره ينظر الى كل صغيرة وكبيرة بعين ثاقبة تتخطى الانطباع الاول.
يقول في «هامش

أخيرًا
لنفترض اننا جئنا بطفلة ملتبسة مثل القرفة
ولها رائحتها
فلوّحتها الشمس
وربما نحرتها من الوريد
بشعاع منكسر
فما جدوى الهامش ؟
هل نقول : «اننا نحصي الحياة ؟
يتجول الشاعر هنا بين مخاض الولادة وسؤال الموت

جئنا الدنيا لنرانا

ضيعنا جمر العمر

نذيب صقيعَ العمر
وكنا نعرف ان الموت سؤال

ثم يبدأ في كل مرة من حيث تكون النهاية: «لنبدأ من النهاية» فكأنه بذلك يقوم بتكبير مشهد ما، ثم يبتعد بنظرته الى صورته المصغرة او الى كنه وجوده…
والشاعر وهو يفعل ذلك لايقتصر على ما هو ذاتي بل يتعداه بكلماته المنمقة والمنتقاة الى حال العالم في تغيراته الراهنة ويبدو هذا في قصيدة « قراد دافىء على جلد هش
ان كتاب «ليل الأحفاد» لليوسفي يكتسب أهميته في كون هذا المؤلف مارس الترجمة والكتابة والصحافة الثقافية

في أبرز الصحف والمجلات السورية واللبنانية والفلسطينية وهو ما جعل كتابته العربية سلسة وغير موغلة في الرمز والغرابة ونلحظ هذا في هذه المجموعة الشعرية حيث جاءت قصائده مرآة عاكسة لرحلته المهنية تلك

layl-al-ahfad


مملكة الأخيضر
d985d985d984d983d8a9-d8a7d984d8a3d8aed98ad8b6d8b1

الثلاثاء, 09 سبتمبر,

2008

مملكة الأخيضر

محمد الخباز – شاعر وناقد – السعودية

مملكة الأخيضر

أهداها اليوسفي إلى كل من يتعثر بخطوات طفل، من ضمن من أهداها لهم

أنا اقتنيتها عام 2004 ولم أصبح طفلاً بعد، فلم أعرف كيف أقرؤها

الآن في 2008،

وقد أصبحتُ طفلاً، وطفلاً شقياً أيضاً،

وكأنني (جدجودة) التي تصغرُ كل يوم،

أسرتني هذه الرواية في الدهشة التي لا تُوصف

وكأنها مملكة الأخيضر ذاتها.

أيها (الآسرُ)/اليوسفيُّ

أخبرني

بعدَ عشرٍ من السنوات، ماذا سأصبح؟

£

في هذا الرمضان البخيل كما يصفه ابن الرومي

أنام من الفجر حتى الظهر

اليوم ذهبتُ على موعدي، ولم تمضِ عدة ساعاتٍ حتى صحوت

أحسستُ أني لم أنم كثيراً، وفعلاً كان ذلك

لكن بدل أن تكون لي رغبة في النوم كانت لي رغبة في الجنون

فلم يُفوِّت (اليوسفي) هذه الفرصة وقبض على رغبتي

حاولت أن أنام، لم أُفلح

كان (بوشويشة) الذي لم أره، يدعوني لمملكة الأخيضر

فركبنا معاً في شاحنة الفحم التي يقودها (أبّة)

وحينَ رجعتُ

كان المكانُ على حاله

والساعة لم تتحرك كثيراً

مع أنني قطعتُ 188 صفحة دون توقف،

وهو عدد صفحات الرواية!

£

غرفتي التي أقفلها عليَّ دائماً، (مُكيِّفها) معطَّل

لذا أنام في المجلس الذي له نافذة كبيرة تطل على الحديقة

ومع أن الزجاج يمنع من في الخارج أن يرى من في الداخل

إلا أنني وأنا نائم أحسُّ نفسي عارياً، وهناك من يسترق النظر إلي!

هذا اليوم

وأنا أقرأ الرواية بكل طفولتي التي تتقافز في الغرفة

أحسستُ نفسي عارياً أيضاً

وأخذتُ أتأكد بين حينٍ وحين أن لا أحد ينظر لي من النافذة.

£

عادةٌ سيئةٌ لدي

الكتب الميتة هي التي أقرأها وأنا صامتٌ وواجم

حينَ تنفرجُ أساريري يكونُ الكتاب قد حَرَّكَ شيئاً

حينَ أضحكُ، تلك بدايةُ الجنون

حينَ تنفلتُ الشتائمُ من فمي ولا أستطيعُ إمساكها

يكونُ السكر قد بلغَ مني مبلغاً عظيما.

أيها اليوسفي، اعذرني

فقد أمطرتُ عليك وابلاً من الشتائم ذات العيار الثقيل!

£

ظلَّ آسرٌ ينتظر الفرصة المناسبة لزيارة مملكة الأخيضر، لكن اللعنة!

كيف تأتي هذه الفرصة؟

جاء (بوشويشة)، كعادته، ليغيب بسرعة، فسأله آسر:

–      متى أذهب لمملكة الأخيضر؟

–      في الوقت المناسب طبعاً! أجاب بوشويشة.

–      وما هو هذا الوقت المناسب؟ سأله آسر.

–      عندما أراك وأعرفك وتراني وتعرفني.

–      لكنني أراك وأعرفك!

–      أما أنا فلا! قال بوشويشة مبتسماً.

–      وكيف أصل إليها؟ سأله آسر.

–      تتخيلها أولاً. ألم تتخيلها بعد؟

–      بلى ، أجاب آسر، فيها إوز كثير وماء.

–      ثم عليك أن تنتظرها ثانياً. ألست تنتظرها الآن؟ سأله بوشويشة.

–      بلى أنا أنتظرها، أجاب آسر.

–      لم تبقَ إلا الطريق الثالثة، قال بوشويشة.

–      وما هي الطريق الثالثة، سأله آسر.

–      أن تذهب إليها! أجاب بوشويشة.

–      ولكن ، كيف أذهب إليها، سأله آسر، وهل أذهب لوحدي؟

–      سوف يرافقك ريحان! أجاب بوشويشة، ريحان خادم المملكة!

–      ومتى ذلك؟

–      عندما تكتشف الطريق الرابعة! قال بوشويشة.

–      لكنك لم تقل لي أن هناك طريقة رابعة؟ قال آسر مُحتجاً، ثم أضاف: ألا تجيد العد حتى الأربعة؟

–      أرأيت! قال بوشويشة، إنك لم تبلغ الفرصة المناسبة بعد!

–      وما هي هذه الفرصة؟ سأله آسر.

–      أنت! قال بوشويشة.

£

اللعنة عليك يا بوشويشة

كيف تذهب

وأنا لا أعلم أين أجد هذه الطريق الرابعة.

محمد الخباز

September 2008

http://alsaidmk.jeeran.com/archive/2008/9/670723.html


د. عبد الله أبوهيف


من مظاهر الكتابة الروائية ما بعد الحداثية في تونس

جريدة الاسبوع الأدبي

جريدة اسبوعية تعنى بشؤون الأدب و الفكر و الفن – العدد 717 تاريخ 15/7/2000

أولاً: ما بعد الحداثة:‏

ربما كان هشام القروي، على قلة إنتاجه الروائي وضعف تعبيره عن أطروحته واتجاهه، هوالأكثر تمثيلاً لنزعة ما بعد الحداثة في الكتابة الروائية في تونس، كما في نصيه “ن” (1983)، و”أعمدة الجنون السبعة” (1985).‏

ماتزال تجليات ما بعد الحداثة عربياً تتلامح على نحو جزئي، في غير ذات نسق أو هي لاأنساق معرفية، أو تندرج في اتجاهات يركن إليها، سواء في توصيفها التاريخي والواقعي،أو في تطورها، أو في فهمها ونقدها، فثمة تنازع، على سبيل المثال، بين فهمها ظاهرةتاريخية مرافقة لتحول الحداثة إلى نقيضها، وبين نقدها المغالي بأنها “تحطيم كل ماهو إنساني”.(7)‏

ومن هذا المنطلق، استقبلت مقاربات الكتابة ما بعد الحداثية بريبة واستنكار، على أنهانفي مطلق للتقليد الأدبي، ناهيك عن الزعم أو الرأي بمعاداتها للتاريخي أو الإنساني،ولا يناسب مقام بحثنا أن نفرد القول في ذلك كله.‏

وهكذا، تعامل النقد الروائي مع كتابة هشام القروي الروائية بحيرةواضحة، ربما لأن نزعتها التحديثية المطلقة تصطدم بالمعايير السائدة في فهم الرواية،ولعل ذكر نموذج نقدي واحد كاف للإشارة إلى الارتباك النقدي المتخصص مع هذا النمط منالكتابة الروائية. عزاها بوشوشة بن جمعة في كتابه “مباحث في رواية المغرب العربي” (1996) إلى التجريب (ص78- 89)، وسماها الرواية الذهنية (ص41)، ثم سماها في موقع آخررواية اللغة (ص59). غير أن الكتابة الروائية ما بعد الحداثية تحتفي بهذه الأبعاد،لأن غلبة التجريب في بنائها، أو بروز اشتغالها اللغوي، أو أعمال الذهن والذهنية فينسق تنضيدها من سماتها، بالإضافة إلى سمات وخصائص أخرى لازمت نزعة ما بعد الحداثة.‏

شكلتن” قطيعة مع التقليد الروائي، في ولعها بالمغايرة دون احتساب دواعي المنطق أوالعقلنة، وفي حرصها على انكسار السرد منذ جملته الأولى “هاأنذا أعود إلى هذهالمدينة “الغريبة”.. ومن البداية لاحظوا أنني وضعت بين طفرين، وقد كنت أريد وضعهماللمدينة. غير أن يدي انزلقت! أو.. لا أعرف كيف أفسر ذلك!” (ص7).‏

ونلاحظ أن السارد، وهو يغطي على نسقه السردي، فإنه ينطلق من سورةالقلم في النص القرآني، ليذكر نتفاً من أحلام وكوابيس وأوهام رجل مطارد، مغترب،خائف، مع نفسه، ومع أقرب الناس إليه، ومن مجتمعه، ومن قوى مجهولة، غامضة.‏

ثمة حافز يتكرر داخل المتن في الصفحات 29 و 59 و 72 و 102، ويكاد يوجز معنى كامناًلعناء هذا الرجل:‏

جاءوا في الفجر.‏

طرقواالباب طرقات عنيفة. انتزعت نفسي من الفراش. تحركت نحو الباب حركات آلية. كنت لاأزال دائخاً أو نائماً أو مخدراً.. أو ما يشبه ذلك! لا أعرف! فتحت. دهشت لرؤيةالمسدسات الموجهة إلى صدري. لم أفه بكلمة. لم أجد ما أقول. كانت وجوههم نصف مقنعة

بنظارات سوداء كبيرة.

كانوا أربعة.‏

أنتوليد الأرض؟‏

همهمت:‏

نـ.. نعم.‏

خذوه!‏

وفي لحظة، وضعوا على عيني حجاباً. وفي الظلام، قيدوا يدي. وساقوني إلى عربة، دفعوني علىالمقعد. لم أقل شيئاً. لم أر شيئاً. لم أفهم شيئاً. فقط سمعت محرك السيارة يدور. كنت في طريقي نحو المجهول.. مع..” (ص29).‏

ولا يضيف في الصفحة 59 سوى توضيح واحد، هو إضافة كلمة أخيرة:‏

كنتفي طريقي إلى المجهول.. مع الوطاويط” (ص59).‏

ثم يتكرر النص كما هو في الصفحة 72، ويظل الحافز تعبيراً عن حالة سكونية لا تنفع فيتنامي الفعلية داخل المتن الحكائي، بل أن السارد يفصح عن اسم “وليد الأرض” الغامض،ولكنه يزيد الأمر غموضاً، فليس ثمة تاريخ خاص أو عام للاسم الجديد:‏

“-أنتراجح سليمان؟‏

همهمت:‏

نـ.. نعم.‏

خذوه” (ص102).‏

قضى السارد ردحاً من الزمن ينتظر قدومهم، حتى صار السرد كله للتناوب بين الانتظاروالتخفي، فقد بذل السارد محاولات كثيرة للتمويه على شخصه وأحلامه منذ مطلع السرد،حين أطلق تسميته: “حلم رجل آخر” (ص6). ثم تقنع باسم “وليد الأرض” مثلما قنع مطارديهوالقوى الغاشمة التي تحاصره: “الوطاويط”، وكان يواجه الجميع بأفكاره الملتبسةمتردداً أيضاً، وقد وجد الخلاص بالحب:‏

لذلك أرى من الضروري أن أعلمك أن الحب هو حريتي، وهو الذي يجعلني قادراً على تجاوز كلشيء واختراق القوانين والمقدسات وتحطيم كل الأصنام والحواجز التي تمنعني من تحقيقذاتي فيه” (ص88).‏

ولكنه ينقض أمره تحت وطأة “اللامتوقع” (!؟) والإحساس بالمؤامرة بقوله: “الحب شيطان آخر” (ص96)، مؤكداً ألا “أهمية لكل ما نعيش؟ وهل يهم أن تهجرني امرأة بينما الأرض بأسرها والبشرية قاطبة مهددة بالانقراض؟ أية أهمية للحب، للوهم، للخلاص، لأي شيء؟ أيةأهمية؟… أورانوس، بلوتون، ساتورن. الشمس السوداء، القمر المغزو، الكواكب متواطئة،مؤامرة على الأرض، مؤامرة على الأرض، مؤامرة على الأرض” (ص

98).‏

ثمتغوص الرواية عميقاً في العدمية والأشباح وأطياف الموت:‏

ولم يبق في الأشجار سوى الولولة المجنونة، وعلى الجدران تلتمع إشارات مبهمة، وشددتالخطو، وأسرعت دافعاً جسمي وسط المتاهة منتظراً دليلاً واحداً يرشدني إلى الحياة،ويخرجني من سراب الموت” (ص101).‏

داخل اللا تعيين وفقدان المنطق ومعارضة النظام وتهشيم الرؤية. بنى القروي نصه الروائيالمتميز، على أن ثمة تطوراً في كتابته الروائية في نصه الثاني “أعمدة الجنونالسبعة”، باتجاه الوضوح، وشحوب الخصائص التي لازمت نصه “ن” مما يقارب نزوعات ما بعدالحداثة. ويظهر هذا التطور باتجاه تاريخية ما للنص، وباتجاه انشغال موضوعي صريح،وباتجاه معارضة معلنة للعقل، وفي ذلك كله شيء من عقلنة.‏

عارض القروي أولاً في عنوانه الحكمة بالجنون، على أن العالم يفتقد للعقل، أو أن “العالمليس عقلاً” بتعبير عبد الله القصيمي، ورأى ثانياً أن ذلك يطبع الحياة المعاصرةوالعمران البشري، ويختار مجالاً هو مثار شجن قومي وإنساني، أقصد الحرب الأهليةاللبنانية.‏

وخاض القروي ثانياً في فضاء تاريخي محدد، بل إنه معني بالتاريخ منذ بداءة روايته حين سمىالفصل الأول “ريح سبتمبر”، وحين واجه أطراف الحرب الدائرة بأسمائها، وحين عنيبالخريطة اللبنانية، جغرافية وجغرافية سياسية.‏

ومن الواضح، أن القروي منشغل بموضوع صريح، ثالثاً، هو إدانة الحرب الأهلية اللبنانية. وسار على درب من ينهجون التقليد الأدبي، ربما على سبيل التهكم، إزاء معضلة المحاكاة والمرجعية الواقعية والتاريخية، فصدر نصه الروائي بكلمة معتادة “لابد منها” بتعبيرالقروي نفسه، ومفادها أن الكاتب يهمه “أن يشير إلى أن أحداث هذه الرواية وشخصياتهاكلها من نسج الخيال. وكل اشتباه بأحداث وأشخاص واقعيين لا يمكن أن يكون من قبيلالصدفة طبعاً!” (ص10).‏

ثانياً: رواية النص:‏

تقترب رواية محمد علي اليوسفي من مفهوم “رواية النص” كثيراً، وهو مصطلح يراد له أن يوازيإطروحات “ما بعد الحداثة” أو “ما وراء الرواية”، وقد أثير هذا المصطلح في النقد الأنجلو سكسوني ليستوعب أمداء “الكتابة الروائية التي تستدعي الانتباه إلى ذاتهابشكل واع ومقصود فتنظم على أنها صنعة لكي تثير التساؤل حول العلاقة بين التخيلوالواقع”(9).‏

d8a7d984d8a8d986d983d8a7

لقد وضع اليوسفي حتى الآن روايتين هما “توقيت البنكا” (1992)، و”شمس القراميد” (1997)،ويظهر فيهما معاً، بنسب متفاوتة مفهوم “رواية النص” كرواية مغايرة أو مختلفة فيمواجهة التقليد وفي صوغ تقليدها الخاص، ونستطيع أن نتلمس ملامح هذا التقليد الخاصفي التلاعب بالسرد، وكسر الإيقاع وتشظيه، وكسر الإيهام الصريح أو المضمر، والفذلكةالشكلية المتعمدة، والهجانة، والتلاعب بالمنظور السردي نحو تبئير متباين أو منسجممع العرض والتوازن بين الميل الذاتي والميل الموضوعي، وغلبة حجم النص الغائب،والتداخل بين زمن الحكاية وزمن الخطاب.‏

يتلاعب السارد بضمائره ويختلف، عن عمد، من المخاطب إلى الغائب إلىالمتكلم ليروي أزمة الاغتراب والمغترب، ولكن الرواية تعنى بعمارتها المختلفة واعيةبتلاعبها اليقظ بالحوافز وبسعيها إلى تحفيز جمالي يعتمد على عناصر سردية تتحالف معهذه الحوافز في تنامي فعلية غارقة في معاينة الذات، باستعادة الماضي، أو الترقرق معالحلم، أو مقاربة الواقع، أو الإمعان في الوصف منطبعاً على صفحات وجدان مترع بأهوالالذاكرة والواقع معاً.‏

ينكسر السرد منذ “مدخل – خاتمة”، وعنوانها “ستغرب شمسك وتلوي رأسك”، متداخلاً مع بنائه،وهو يتركب من صيغ العنوانات الرئيسة والفرعية، ومن الفذلكات الشكلية، ومتن يتلامحثم يهجع في حضن البيئة الشعبية، ليؤول السرد إلى “خاتمة- مدخل” وعنوانها “مازلتأحيا” تحمل النقيض، من صيغة الرواية الأساسية: تداخل الخيال مع الواقع من أجل تشريحالذات: “أنظر إلى الحياة منفصلة عني، أبداً، وأبدأ بتشريح ذاتي” (ص259).‏

ليس بمقدورنا أن نعرض الحكاية، أو نناقش تعليلها الفني والبنائي لوفرة التفاصيل، فثمةمن يعود إلى قريته من العاصمة، ومن يعود من باريس، وثمة علاقات بين أبناء الأجيال: الأجداد والآباء والأحفاد، غير أن نجاح صيغة “رواية النص” هو التوظيف الموفقللمأثورات الشعبية في الانشغالات الذاتية والوجدانية لذاكرة الشخوص، والمعول دائماًهو وعي الذات داخل هذه المأثورات التي صارت إلى شعائر وطقوس.‏

كانت الأرض محك الانتماء ورابطة الوطن والألفة العائلية، وقد اصطدم هذا الانتماء بالتخليعن هذه الأرض، مما يجعل الابن الصغير يواجه أباه: “لا حاجة بي إلى اسمك، ولا إلىغربتك، ولا إلى ثقافتك، فقدتك بتوقيتي” (ص175)، ومما يجعل الأب يعلن غضبه أيضاً علىالغربة داخل الوطن، وهي التي تدفعهم إلى الغربة خارج الوطن (ص177- 178).‏

وكانالأب يردد وهو سكران في باريس: “رخيص دمك في بلادك، وأرخص في بلاد الناس” (ص192).‏

ولعل هذه الرواية من الروايات القليلة التي تصور وعي الآخر الغربي من خلال عنصريته فيأكثر صورها جدة وقسوة، فيكون الرد هو قتل الآخر مادام قد خسر إقامته في الأرض (ص256)، وكأنه انتحار في منتهى الوعي.‏

ويغرف اليوسفي في رواية “شمس القراميد” من الماء ذاته، منوعاً في سرده، مدخلاً الوقائعجميعها في جو فنتازي، يشي بنوع من تجنب مواجهة الواقع، وهي كانت حادة وقاسية فيتوقيت البنكا”، ولا أعتقد أن ثمة “تقية” في ذلك، لأن عناصر سردية لجأ إليهااليوسفي تدعم متطلبات الوعي بالذات ونقد الواقع، كما هو الحال مع كسر الإيهام فيالعنوانات، وداخل المتن الحكائي نفسه في النصف الأخير من نصه الروائي مثل: “هذا فخ،لا أحد يريد حكايات”، و”لابدّ من مرحلة يرى فيها المرء أقل فيلجأ إلى إعادةالرؤيا”، و”ماذا يفعل أمريكي في هذه المنطقة المعزولة”.. الخ.‏

وثمة عناصر أخرى مثل دخول النص في الواقع مباشرة في الفصل الأخير “ظلّ أثر منهم فيداخلي”، حين تسفر التبعية عن وجهها، وحين تخمل صورة الشعائر والطقوس في وجدانالبطل- السارد، كالبنكا والعينوس:‏

شعرتبالوحشة مرة أخرى. سألته:‏

ألمتعد تفكر في العينوس؟‏

أجابمبتسماً:‏

لاتخف! سوف نجده أمامنا كأية حكاية تفقد مكانها الأصلي، وتنتشر عبر الأزمنة. قد يظهرفي المدينة كأي قروي نازح بعد أن فشل في أرضه المدينة مرآة ماصة تبتلع الزارعوالمزروع. فلماذ

shams-al-karamid

ا لا يظهر العينو

س هناك أيضاً؟‏

وماذا عساه أن يفعل في المدينة؟‏

قد يبحث عن عين زجاجية، وربما يتحول إلى مهرب أو شحاذ لا تنقصه التجربة والحيلة.. لملا؟‏

ومنأخبرك بكل هذه التفاصيل؟‏

هاها ها … إذا لم يكن سهلون، فمن المؤكد أنه واحد من أتباعه الخمسين!” (ص232).‏

بل لعل هذه الرواية أدخل في مواجهة الذات من أجل وعي أصلب بها عن طريق استعانة السردبالحلم وبالفانتازيا وبمغالبة الموروث الشعبي، مما كان ظاهراً في نص “توقيتالبنكا”. ألم تكن طقوس البنكا والعينوس من مكونات الذاكرة المعيوشة والحاضرة لوطأةحضورها في وجدان الفتى الذي أصبح رجلاً في “شمس القراميد” مازال مسكوناً بها، وهواليوم على مفترق طرق، فما تزال الأسئلة داهمة متطوحة بين الماضي والمستقبل:‏

لماذا الشعور بالخجل؟ قلت معزياً نفسي. يريد تدوين السير الشعبية؟سوف ألفقها له كما اتفق، أو كما أتذكرها على الأقل، من دون جهد كبير. وقد أبيعهسيرتي الذاتية أيضاً، وإذا وجد فيها علاقة ما بتلك السير! هو الذي يستر عورتيالآن… ربما بسبب امتلائي بالماضي يخفيني هذا المستقبل المجهول” (ص233).‏

تتجهرواية النص” إلى مجانية الواقع بعد الانغمار به، ثم تمارس نقدها له في صورة الوعيبالتاريخ، أو كشف الواقع عن طريق تشوفه، وقد اختار اليوسفي صورة الوعي بالتاريخمتضامناً مع المأثورات الشعبية الثرة في “توقيت البنكا”، ومدار تشوف الواقع من خلالمحاكمة الطقوس والشعائر والرموز الشعبية والموروثة مثل تراجع رموز البنكا والعينوسوما يرتبط بهما من طقوس وشعائر، ومثل مبدأ سرد الحكايات والسير الشعبية والتلاعب: اختلاقه والمتاجرة به، وهو أمر خطير حين يمتد هذا السرد إلى السيرة الذاتية. وهنامكمن الغنى السردي ومحمولاته التخييلية، تجعل مغامرة التحديث أكثر ثقة وتطوراًانطلاقاً من مقدرتها على خلق تقليدها الخاص.‏

Sign my i book here

***

Top ↑ Haut ↑ فوق

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s