Carma’s guest كرمة الضيف


كرمة الضيف: نزار شقرون

بقلم: نزار شقرونليس هناك فرق بين أبناء البلد الواحد، هذه بديهة تخترق العصور والشّعوب، ولكن هناك تمايزات تخلق التّكامل، والبلد الواحد يحتاج إلى كلّ الفاعلين فيه والمنتمين إليه كي يكون البلد بلدا واحدا، ولا يحتاج هذا القول إلى ترجمة، فهو في كلّ اللّغات مبدأ أعلى من اللّغة، ولا يخضع للخيانة مثلما تخضع أيّة عمليّة للترجمة.

ولكن كي يكون البلد واحدا يحتاج إلى شرط أساسيّ وهو أن يشعر كلّ من فيه بأنّهم مسؤولون جميعا على هذه الوحدة ومطالبون بصيانتها بشتّى أشكال الصيانة ومن بين هذه الأشكال: النقد. فعلا تحتاج هذه الوحدة الحضاريّة والمصيريّة إلى إعمال النّقد لأنّه علامة حياتها ودعامة مستقبلها. وحين يبعث مشروع وطني وثقافي، فكأنّما يبعث في هذه الوحدة نفس جديد يحتاج إلى كلّ السّواعد، وحين بعث المركز الوطني للتّرجمة استبشرنا جميعا بهذا الصّرح الجديد لأنّه سيعزّز وحدتنا الحضاريّة ويؤمّن تواصلنا مع الأمم الأخرى. وككلّ مشروع ناهض ينفتح على الاجتهادات الموجبة بمثل انفتاحه على الكفاءات مهما اختلفت مشاربها، حتّى يعكس طموحات التّونسيّين من المثقّفين، وحتّى يفنّد كلّ الدّعاوى التي تفترض أنّ المشاريع الثقافيّة تُساق برؤية فرديّة أو هي مشاريع نظريّة توأد مباشرة إثر سنتها الأولى. بالطّبع نعيش اليوم حماسة إضافيّة لبناء مشاريعنا الثقافيّة الجديدة ونفتخر بذلك. وحين نحتفل بمائويّة الشّابي فإنّنا نستذكر ما كان يعانيه من أبناء وطنه في الثلاثينيّات وما كان يشخّصه من تقهقر البعض عن الممارسة الفاعلة قياسا بحجم التّنظير وكم كنّا نتمنّى أن يكون الشّابي بيننا حتّى يضع كلماته اليائسة من أبناء وطنه في القمامة. لقد هزّتني فعلا كلماته وأنا أفكّر في فاعليّة المشروع الثقافي. ذكر الشّابي في يوميّاته بتاريخ25 جانفي 1930 ” لقد أصبحت يائسا من المشاريع التّونسيّة، ناقما على التّونسيّين، لأنّني أراهم يقولون كثيرا ولا يعملون إلاّ قليلا، وإنّني أراهم نبغاء في بسط آرائهم ونظريّاتهم، والتّحمّس لها يدفعك إلى أن تؤمل الآمال الكبار، وتعتقد أنّك تخاطب روحا متجسّدة في فكرة تلتهب، حتّى إذا جاء دور العمل تمزّقت تلك البراقع، وخمدت تلك النّزوات”. كانت تلك كلمات الشّابي التي استبدلت اليوم في ساحتنا الثقافيّة بمصطلح آخر وهو “الإقصاء” وتسرّب هذا المصطلح في خطابنا الضّمني أو الصّريح ليبرهن على أنّ الممارسة النّظريّة حاضرة والممارسة العمليّة موجودة ولكن يدينها البعض في قطاعات مختلفة بتهمة “الممارسة الإقصائيّة”. هذا ما تلمّسته وأنا أقرأ مقالا للرّوائي محمّد علي اليوسفي الذي نكنّ له ولتجربته تقديرا كبيرا فهو من أبناء هذا البلد المتميّزين على السّاحة العربيّة وهو واحد من الذين لا يمكن تناسيهم أو تجاهلهم في تاريخ أدبنا المعاصر. قرأت مقاله “عيد وكباب، فودكا وشعر..” بصحيفة القدس العربي بتاريخ 22/12/2008 وانتابتني آهات كثيرة وحيرة إزاء صلة المركز الوطني للترجمة بالمثقّفين والمترجمين التّونسيّين خاصّة وأنّ الأستاذ محمّد محجوب بعيد كلّ البعد عن شبهة “الممارسة الإقصائيّة” وما المركز غير فضاء تنويري جديد يؤمن بالعمل الجماعي، خارج الحسابات الضّيّقة لذلك فهو متشكّل من مجلس علمي ومن لجان في شتّى فروع المعرفة، والمفترض أن تكون برامج المركز قائمة على التّشاور. لكنّ قراءة مقطع واحد من مقال شاعرنا اليوسفي ينتهي بنا مباشرة إلى تحسّس رائحة “الغبن البلدي” فقد أشار إلى رأي صديق له يعيش في تونس، عن وضع مركز التّرجمة وبرامجه ، يذكر اليوسفي: “البارحة قال لي صديق عربي ممّن يقيمون في تونس البلد صغير والحصص تمّ توزيعها المسألة مفهومة أنا أتعمّد ترك هذا القول غامضا أي قابلا للتّأويل، خصوصا وأنّك تعلم بعمليّة الإقصاء التي تمّت بخصوص المركز الوطني للتّرجمة لأغزر التّونسيّين ترجمة”. بالطبع يحقّ لليوسفي أن يدلي برأيه( وإن جاء هذا الرّأي في منبر إعلامي عربي قد لا يطّلع عليه الكثيرون)، ومن حقّ أيّ مثقّف في تونس أن يسأل هل هناك أسهم ربحيّة توزّع هنا وهناك في مشاريعنا الثقافيّة حتّى يتسابق المثقّفون في “شراء حصصها”، وما معنى أنّ البلد صغير؟ هل يعني ذلك أنّ المبدعين فيه أكبر من حجمه الجغرافي، لذلك سيبقى العديدون منه خارج لعبة”تقسيم الحصص” فينتظرون “الوقت بدل الضّائع” ليقتاتوا من فتات التّوزيع؟ هل يعني ذلك أنّنا اليوم أصبحنا نتحدّث عن المطالبة بـ “العدالة التّرجميّة” وقس على ذلك مختلف القطاعات، بدل الحديث الكلاسيكي والمحدث عن “العدالة الاجتماعيّة”؟ تظلّ هذه الأسئلة مشروعة بمثل ما يظلّ السّؤال عن حضور وغياب الشّاعر والرّوائي والمترجم محمّد علي اليوسفي في برامج مركز التّرجمة مشروعا أيضا. وإذا كان من حقّ اليوسفي أن يتكلّم فمن حقّ المركز والرّأي العام الثقافي المشاركة في تدارس ملفّ “العدالة الثقافيّة” لأنّ السّكوت لا معنى له في قضايا الممارسة الثقافيّة، وهنا أستعيد :مقطعا شعريّا من ديوان ليل الأجداد لليوسفي

كلُّ شيءٍ نافرٌ من لونهِ

والكلامْ

 كفنٌ حول السُكوتْ

والسكوتْ

لغةٌ موصدةٌ

في كوكبٍ محتملٍ

يذوي كلاماً

قبل أن يوصد بابا…ويموتْ

2009/02/24 *


نزار شقرون: من مواليد صفاقس سنة 1970 . متحصل على الإجازة في اللغة والآداب العربية من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس وعلى شهادة الدراسات المعمقة في نظريات الفن من المعهد العالي للفنون الجميلة تونس. يباشر التدريس بالمعهد العالي للفنون والحرف بصفاقس (اختصاص تاريخ الفن وعلم المصطلحات)  ومكلف بالشؤون الثقافية برئاسة جامعة صفاقس للجنوب منذ سنة 1998.  شغل رئاسة تحرير مجلة شمس الجنوب سنة 1995.  منتج بإذاعة صفاقس منذ سنة 1993. عضو اتحاد الكتاب التونسيين.  صدر له:
ــ هوامش الفردوس(شعر) المؤلف 1990.
ــ تراتيل الوجع الأخير (شعر) دار صامد للنشر1997.
ــ اشراقات الولي الأغلبي (شعر) دار البيروني للنشر 1997.
ــ رقصة الأشباح (مسرح) المؤلف 1999.
ــ ضريح الأمكنة (شعر) المؤلف 2002.
ــ محنة الكتابة (نقد ) المؤلف 2005
*

:كرمة الضيف

*محمود منير

إعادة انتاج المجتمع والدولة في الأردن درامياً
مسلسل “سلطانة” يؤشر على ابداع غالب هلسا بعد عقدين على رحيله
*
هل يُنصف التاريخ الروائي الأردني الراحل غالب هلسا الذي طردته الجغرافيا العربية مدينة تلو الأخرى من عمّان إلى القاهرة فبغداد فبيروت إلى دمشق التي توفي بها ليعود على كفن إلى وطنه، وُيترك أكثر من عشر سنوات حتى تنشر آثاره الروائية والفكرية في الأردن ويحظى بتكريم شعبي ورسمي كان آخره جائزة الدولة التقديرية للآداب
يتبادر للذهن هذا السؤال بعد رحلة طويلة وغنية لهلسا قضاها في المنافي كتب خلالها سبع روايات هي: الضحك، الخماسين، السؤال، البكاء على الأطلال، ثلاثة وجوه لبغداد، الروائيون، وسلطانة التي تم تحويلها مؤخراً لمسلسل تلفزيوني بثته قناة روتانا خليجية، وحظي بنسبة مشاهدة عالية كما تؤكد استطلاعات الرأي، فهل يستطيع هذا العمل الكشف عن غالب هلسا الذي لم ينل ما ناله أيٌّ من نظرائه العرب من الاهتمام والتقدير؟!
“سلطانة” الذي أخرجه المخرج الأردني “إياد الخزوز” عن سيناريو كتبه وأعده السيناريست الراحل غسان نزال لرواية “سلطانة” وعملين قصصين آخرين لهلسا هما: “وديع والقديسة ميلاده”، “زنوج وبدو وفلاحون”، يؤكد على ضرورة العودة لغالب الذي كتب أهم الأعمال التي ترصد تشكل المجتمع الأردني الحديث في بدايات القرن العشرين وحتى الخمسينيات منه، وهي الفترة التي تحظى بالتباس واهمال متعمدين، حيث يصرّ كثيرون على تكريسها من زاوية واحدة تهتم ببناء الدولة الأردنية وحضورها كنظام رسمي، فيما لا يهتم آخرون بالفكرة كلها ويبررون ذلك بدوافع ثقافية تسويقية تساق من باب التأكيد على أن هذه الفترة التي عاشها الأردن لا تستهوي أحداً في المنطقة العربية وهو ما ثبت عكسه بالنظر إلى حجم المشاهدة التي حظي بها “سلطانة”.
كل إبداع مرهون بصاحبه، لذلك كان لغالب أن يكتب سيرة روائية بحجم “سلطانة” لا توثق فقط لفترة طفولته وشبابه المبكر التي عاشها بين قريته الصغيرة “ماعين” ومدينتي مأدبا وعمان، بل لذاكرة مثيرة رصدت المكان: ينفخ فيه روحه الحقيقية ويخلق شخصياته الأصيلة تماماً كما هي سلطانة المرأة القروية التي تلعب بالتجارة والرجال وتؤثر في السياسة والمجتمع.
على أي حال يستحق المركز العربي للخدمات السمعية والبصرية/ الأردن الشكر والتقدير على انتاجه هذا العمل الذي يسبق انتاج أعمال روائية أردنية أخرى منها “مخلفات الزوابع الأخيرة” للروائي جمال ناجي، و”دفاتر الطوفان” للروائية سميحة خريس في انتظار انتاجات أخرى وعد بها المركز.
في المقابل توقع كثيرون أكثر مما جرى تقديمه في “سلطانة”، لأسباب كثيرة تتعلق بطبيعة المنتج الروائي الغني لهلسا، والذي استطاع أن يرصد تحولات المجتمع الأردني وبروز الشرائح والطبقات الاجتماعية بالنظر إلى كتابة غالب هذه الرواية في فترة متأخرة من حياته، ولما قدّمه غالب عموماَ من تحليل ماركسي يتقدم على نماذج ماركسية عربية أخرى بسبب اختلاف مرجعياته واطلاعه على الثقافة الأوروبية الغربية وآدابها.
فكك غالب مجتمعه مجسداً بجرأة وعمق العلاقة التي جمعت بين البدو والفلاحين في شرق الأردن وعلاقتهم بالحكم إبان تأسيس الإمارة، والهجرات المتعاقبة على مدينة عمّان منذ بدايات القرن العشرين وخاصة من الشام ونابلس؛ وهو ما أسسها كحاضرة تجارية، وخلال فترة متسارعة، مبيناً أحوال السوق والتجارة ابتداء بتجار الحبوب والالبسة والعطور من دون أن يغفل تجارة الحشيش والدعارة، كل ذلك موازياً لظهور الحركات السياسية وفي مقدمتها الحركة الشيوعية وتأثيرها المتنامي في أوساط الطلبة والشباب، وتأثير الأوضاع في فلسطين حيث شارك الأردنيون في قتال العصابات اليهودية وفي الجدل السياسي الدائر قبل وعقب النكبة وتفاعلاته في تشكل النخبة السياسية والحزبية.
هذه الأفكار وغيرها قدّمها هلسا في نسيج روائي متماسك وأخّاذ مقدماَ الكثير من النساء الفاعلات المؤثرات (دأبه في معظم رواياته) وهو ما يميز “سلطانة” بالجرأة العالية على تفكيك العلاقات بين النساء والرجال. هو حال سلطانة ومن قبلها أمها “سلمى” ومن بعدها ابنتها “أميرة”، إضافة لمتابعة دقيقة للخرافات وحضورها في المجتمع من طقوس وعادات وحكايات القديسين والغيبيات تبعث على الإثارة والتشويق وتدل على أهمية المنجز الروائي.
وليس بعيداً عن الرواية، أطل علينا صنّاع المسلسل بما اجتهدوا فيه دالين على الأثر من دون أن يلمسوه، مقتربين من الرواية ومبتعدين، مأسورين بالسيناريو الذي قيّد العمل بدل أن ينفتح مخرجه وأبطاله على الرواية محاولين تقديم إبداع موازٍ لا نقل السيناريو إلى شخصيات بدت مثيرة لكنها احتاجت لعمق أكبر وغنى أكثر.
الفنانة السورية “قمر خلف” نقلت شخصية “سلطانة” بحساسية عالية وأداء رائع، وهو ما يحسب أيضاً للفنان زهير النوباني في دور “عودة” الذي يشارك سلطانة في تجارتها معتمداً على شطارته وفهلوته، والفنان محمد الابراهيمي بدور التاجر الذي يهيم بسلطانة فتغير شخصيته باعثة على الحيرة والقلق فيه ودافعة إياه إلى العبث، وغيرهم من الفنانين المبدعين وخاصة الشباب منهم مثل كندة علوش وخالد الغويري وأشرف طلفاح.
ومع ذلك فإن الرؤية الإخراجية للعمل وتسييرها لأحداث المسلسل بدت غير مترابطة ومفككة في أحيان عدة، كما أن الحوار جاء انشائياً في غالبه لا يمت لروح الرواية، وجاء في مشاهد أخرى قاصراً عن الوصول إلى عمق الشخصيات التي جسدتها الرواية، وهو ما يثير الشفقة خاصة إذا ما انزاح الأداء لدى بعض الممثلين إلى تقليدية باهتة تذكر ببعض الأعمال الدرامية الأردنية في ثمانينات القرن الفائت.
وبدلاً من أن تجسد الأجواء التي ظهرت فيها الحركات السياسية الأردنية والتي تميزت بسخونة النقاش وحماس الشباب المتحزبين، جاءت هذه الحوارات جامدة وباهتة على خلاف ما شهدته عمان آنذاك، وظهرت الحركة الشيوعية بصورة فقيرة رغم أن الشيوعيين كانوا يريدون تغيير العالم، فسمعنا مجموعة من المواقف والبيانات الصماء دون أن نلمس ذلك في شخصيات حية.
من زاوية أخرى لم يستطع العمل الاقتراب من الجرأة التي تطرح بها الرواية قصص الحب والعلاقات الجنسية، ولم ترق الاجتهادات الفنية عبر الايحاء والتأثير بالوصول إلى جمالية تلك العلاقات، إلاّ أنه يحسب للعمل كل تلك المساحات الجريئة في الحوار وبعض المشاهد والتي غابت عن جميع الأعمال الدرامية الأردنية طوال العقود الماضية.
تشكل “سلطانة” تحدياً كبيرًا كعمل درامي يجري ابداعه موازياً لرواية غالب هلسا، وإن لم يكن هذا التحدي ناجحاً لحد كبير لكنه يشكل اختراقاً خطيراً للدراما الأردنية على أكثر من صعيد، الأول: إعادة الاعتبار للدراما الأردنية التي تجسد البيئة المحلية بعد انقطاع سبقه كثير من الأعمال الضعيفة وهو ما يؤكد على أهمية الانتقاء من قبل الشركة المنتجة، والثاني: بما حققه “سلطانة” من تغيير في مفهوم الدراما الأردنية بالنظر إلى جرأة الطرح وغنى الشخصيات والأحداث وإن لم يرق العمل إلى هو مأمول.

وأخيراً، إلى غالب… شكراً لك ما زلت تثير الجدل مبدعاً حقيقياً يأبى الغياب.

(*)محمود منير: كاتب وصحافي من عمّان يكتب في صحف محلية وعربية وكان عمل في صحيفتي العرب اليوم والدستور الأردنيتين، شارك باحثاً في عدد من الدراسات كان آخرها حول “تحليل الرسالة البصرية لصورة الزعماء العرب: ياسر عرفات وصدام حسين نماذج للدراسة” وسينشر قريبا
***

كرمة الضيف: يحي القيسي


احتفاء ب “إيروتيك” الأجداد

يبدو أن دور النشر العربية أصبحت تتسابق اليوم إلى طباعة نتاج أجدادنا ” الإيروتيكي” والكلمة هنا ملطّفة تجنبا للكلمة الأدق أي ” الشبقي ” ويمكن أيضا التعبير بشكل أكثر حرية عن ذلك التراث الجنسي الكبير، والخطير الذي عثرنا عليه ، نحن الأحفاد المؤدبين، بعد نحو ألف سنة أو يزيد، مبثوثا بين ثنايا “صبح الأعشى” للقلقشندي، و”ألف ليلة وليلة”، و موسوعات ابن عبد ربه الأندلسي، ووجدناه مكثفا وسافرا بشكل لا يحتمل التأويل في كتب الإمام السيوطي ” الأيك في .. ” – لاحظوا هنا أنني لا استسيغ كتابة اسم الكتاب- أما الإمام صاحب تفسير الجلالين والفقيه والعالم، فلم يتردد في تسمية الأشياء بمسمياتها، ومنها ” الأترنج في الغنج ” ، ولا يمكن أيضا نسيان قاضي مصر وتونس الشيخ التيفاشي في كتابه ” البورنوغرافي ” لوصف الجنس الشاذ أي ” نزهة الألباب فيما لا يوجد في كتاب ” ،ولا يمكن المرور سهوا على كتاب الشيخ النفزاوي ” الروض العاطر في نزهة الخاطر ” وهذه نماذج قليلة من تراث كان هامشيا ونائيا في التخوم من الثقافة العربية، واليوم عاد إلى الصدارة، وأنا شخصيا وظفت جانبا منه في روايتي ” باب الحيرة ” ،ورأيت شيئا من هذا القبيل موظفا في رواية سلوى النعيمي ” برهان العسل ” الصادرة حديثا ،وهي رواية جريئة إلى حد كبير في تسمية الأشياء بمسمياتها اقتداء بما فعله الأجداد..!
لن أمر على الملذات المطروحة في المخيال الإسلامي النقلي عن الجنة، ولا على القراءات الظاهرية للملذات، ولكني أطرح السؤال هنا عاريا : لمَ كل هذا الاحتفاء بالجسد؟ وأين الجانب الروحي في المجاسدة والمباعضة والمعافسة، والمفاخذة ، …إلى آخر التعبيرات اللغوية العربية الملطفة عن فعل ” النكاح ” الذي هو أيضا ملطف عن فعل آخر أصبح استخدامه في الظل فقط ..!
إن من يقرأ عن الإيروتيك الشرقي أي الهندي تحديدا سيجد ثقافة مختلفة ولا سيما في الكتاب الشهير ” الكاما سوترا ” وهناك اشتغال حقيقي قبل أربعة آلاف سنة تقريبا من كتب العرب ذات الطابع الإباحي الشاذ – بكل أسف – على ربط الجسد بالروح ،والانتباه إلى أن الفعل الجسدي يتبع القبول الروحي، أي قائم على الحب وأقصى درجات الوله والقبول، وليس فعلا ميكانيكيا خارجيا ..!
بعض التعابير في ألف ليلة وليلة مثلا تحيل القارئ على فعل الحرب لا الحب، ويظن المرء انه يتابع وصفا لمعركة لا لعلاقة جسدية من مثل ” فعند ذلك قامت إليه ست الحسن، فجذبها بدر الدين وعانقها،……، ثم ركب المدفع وحرر القلعة، وأطلقه فهدم البرج فوجدها درة ما ثقبت، ومطية لغيره ما ركبت، فأزال بكارتها، وتملى شبابها …” .
القراءات للموروث الجنسي العربي تقود إلى الاستدلال إلى ذلك الاحتفاء المبالغ فيه للجسد وصولا إلى أقصى درجات التهتك، ذلك أن التجاسد هنا يصل إلى درجة الشذوذ، إذ هناك فصول خاصة للجنس المثلي والسحاق والحيواني، ولا يكاد المرء يعثر على ذلك الحب العظيم، والعواطف الإنسانية الرقيقة، والكشف الروحي للرجل والمرأة، أما الملاحظة الأخرى فهو أنه ذكوري بامتياز، لا يقيم وزنا للمرأة ودورها اللهم إلا من ناحية المنفعل لا الفاعل، والأرض الموطوءة، ومحل المتعة .
على كل حال رغبت هنا فقط بالتأشير على الانتباه لدراسة الهامشي والقصي من تراثنا بعيدا عن الإجابات الجاهزة، والبحث بتجرد عن أسباب نشوء مثل هذا النوع من الكتابات، وأثرها، ودورها في صياغة ثقافتنا التي كانت والتي نحن عليها الآن، قبل الإدانة، والإقصاء والتهم المعلبة ..!
***
*ولد يحيى القيسي في حرثا/إربد عام 1963، وحصل على بكالوريوس أدب إنجليزي من جامعة فيلادلفيا عام 1999، وعلى دبلوم عالي في الهندسة الميكانيكية من معهد البوليتكنيك في عمان عام 1984، ودرس اللغات الحية في تونس خلال الأعوام 1992-1994، وعمل مديراً لتحرير مجلة فنون، وصوت الجيل، وعضو هيئة تحرير مجلة أفكار، الصادرة عن وزارة الثقافة، ويعمل منذ عام 1990 صحفياً ومراسلاً ثقافياً للعديد من المجلات والصحف العربية، ومنذ عام 1999 وهو يعمل معدا ًلبرامج تلفزيونية (ثقافية ووثائقية).
وهو عضو رابطة الكتاب الأردنيين، وكان نائباً لرئيس ملتقى اربد الثقافي عام 1995. كما تولى إدارة “مديرية الدراسات والنشر” في وزارة الثقافة خلال العام 2002. من مؤلفاته في القصة القصيرة “رغبات مشروخة” و” الولوج في زمن الماء”، وفي الرواية “باب الحيرة”
yahqaissi@gmail.com

***


ماري ماكاي

ماري ماكاي شاعرة وروائية أمريكية. ولدت وترعرعت في إنديانا بوليس. وهي تعود في نسبها إلى مارك توين من خلال عائلة والدها. حاصلة على الدكتوراه في الأدب المقارن، وتجيد عدة لغات منها الفرنسية والأسبانية والبرتغالية والروسية. نشرت تسع روايات وأربعة دواوين شعرية ترجم معظمها إلى عدة لغات منها اليابانية. كما تشتغل بكتابة السيناريوهات السينمائية. يحتفي شعرها بالحب والموت والطبيعة، بينما تتنوع رواياتها وتدور أحداثها في أماكن وحقب تاريخية متباينة جدا. فيما يلي واحدة من قصائدها المنتقاة من ” رقصة إيروس العزيزة” وتمت ترجمتها بعد اتفاق معها.

كامستورا الطيبة: الوضعية رقم2

هل أحييك
كما لو كنا
قد فرغنا للتو من الأكل
سوية في ليلة
كانت فيها البتولا البيضاء
تفرز الندى
و البرق يحفر
شجرًا أسود على جدرانك
ليس الحب
ما أرمي إليه
الحب يأتي خلال أعوام
من التنفس
جسداً إلى جسد
مفتولين في أحلام كليهما
إلى أن تحيك كل ليلة
خيطا آخر
في شبكة
الدماء والنوم ذاتها
ولم
أمر من خلالك إلا لوهلة
مثل الضوء
ولم
تحاصرني إلا بغفلة
مثل شعلة من نار
البحيرة باردة
الثلج نزل غدراً
الكرز البري ينحني
الشتاء عبء

في يدك أشعر
باضطرام الربيع في البراعم.

ماري ماكاي 1987
مقتطف من “رقصة إيروس العزيزة”
ترجمة أنسي اليوسفي


***

Mary Mackey’s Biography
Mary Mackey was born and raised in Indianapolis, Indiana, and is related through her father’s family to Mark Twain. She graduated magna cum laude from
Harvard and received her Ph.D. in Comparative Literature from the University of Michigan. During the early 1970s she lived in the rain forests of Costa
Rica. From 1989 to 1992 she served of Chair of PEN American Center, West. Presently, she is a professor of English and Writer in Residence at California
State University, Sacramento.
Mary Mackey’s published works include nine novels and four books of poetry and have sold over a million copies. They have been translated into eleven
foreign languages including Japanese, Hebrew, and Finnish. While her poetry has mainly centered around the traditional lyric themes of love, death, and
nature, her novels have ranged from the Midwestern United States to Neolithic Europe, from comedy to tragedy. A screenwriter as well as a novelist, she
has sold feature scripts to Warner Brothers as well as to various independent film companies. John Korty directed the filming of her original screenplay
Silence which starred the late Will Geer and which won several awards.
She has lectured at many places including Harvard and the Smithsonian. Additionally, she has contributed to such diverse magazines as Redbook, The
New Age Journal, The American Book Review, The Saturday Evening Post, The Chiron Review, Yellow Silk, MS Magazine, The New American Review, and
The Harvard Advocate.
(An extensive biography of Mary Mackey is available in the Contemporary Authors Autobiography Series, Volume 27, published by Gale Research, Detroit
MI: 1997.
——
*
Poetry by Mary Mackey
The Kama Sutra of Kindness: Position No. 2
*
should I greet you
as if
we had merely eaten
together one night
when the white birches
dripped wet
and lightning etched
black trees on your walls?
*
it is not love
I am asking

love comes from years
of breathing
skin to skin
tangled in each other’s dreams
until each night
weaves another thread
in the same web
of blood and sleep

and I have only
passed through you quickly
like light
and you have only
surrounded me suddenly
like flame

the lake is cold
the snows are sudden
the wild cherry bends
and winter’s a burden

in your hand I feel
spring burn in the bud
.

Copyright, Mary Mackey 1987
From “The Dear Dance of Eros”

***


كرمة الضيف
:علي مصباح
 في أقاصي آسيا

!بين نساء متحرشات ورجال سكيرين

أخيرا، ها أنا في أرض الجرمان. وهذه هي المرحلة ما قبل الأخيرة في الرحلة. أجدني حاليا مثل آدم بعد الهبوط من الجنة : برد ووجوه عابسة مكفهرة. سأقضي حوالي عشرة أيام بمدينة فيزبادن بالقرب من فرنكفورت قبل أن أعود إلى بيتي البرليني؛ قوقعتي التي صرت أحن إليها بعد هذا الغياب الطويل. سأحاول أن أعطي فرصة لعظامي ومفاصلي الهرمة كي تستريح، فأنا فعلا مكسور الظهر بعد كل الطرقات الطويلة والرديئة في أرض لاوس وكمبوديا.
تايلندة تعتبر بلدا متقدما بطرقات جيدة وبنية تحتية متطورة. لكن الكارثة الكبرى كانت في لاوس حيث كان علي في أكثر من مرة أن أقطع مسافة حوالي 200 كيلومتر وأكثر في حافلات من ذلك النوع الذي لم نعد نراه في تونس منذ الستينات. الطريق في أغلب الأحيان غير معبدة أو أن الإسفلت قد تقشر وتهدم ولم تعد تطل من آثاره غير رقع صغيرة ونتوءات مضارها أكثر من منافعها. الحافلات تحشر بالركاب حشرا، وغالبا ما يتوجب إضافة مقاعد من البلاستيك (تابوريه) في الممر الضيق بين الكراسي، ومرة شحنوا في الممر أكياسا من البطاطا تحولت بسرعة إلى مقاعد للمسافرين. ولتتصور أنني بحكم وصولي المتأخر إلى المحطة فقد كان علي أن أقطع حوالي 200 كيلومتر جالسا فوق كيس من البطاطا، مع ما يترتب على ذلك من رضوض في المؤخرة بحكم الاهتزازت المتواصلة للحافلة فوق طريق لاوسية من النوع الذي ذكرت لك.
هناك طبعا استثناءات في بعض المناطق الشمالية المتاخمة للصين، حيث تولى الصينيون بناء طرق واسعة وجيدة. وعلى أية حال فلولا مساعدات الصين وفييتنام لاختنقت البلاد ومات أهلها جوعا بحكم الحصار المضروب عليها من طرف الغرب من ناحية وقلة مواردها من ناحية أخرى.
ومن بين علامات الندرة أن أجزاء كثيرة من البلاد(المناطق الشرقية) تزود بالكهرباء من طرف فييتنام (وهو نوع من الاعتراف بالجميل لوقفة لاوس إلى جانبا وتحملها لأشرس حملات القصف الأميركي أيام الحرب). وما يزال المرء يلاحظ في المنطق الشمالية الشرقية مساحات شاسعة مدمرة تدميرا فظيعا مما يجعلها شبيهة بحقول داهمتها آلاف الحتازير البرية ليلا.
البلاد على غاية من البساطة والأريحية، والناس، إلى جانب البساطة والكسل، تلقائيون و طيبون جدا حتى أنك تنسى بسرعة كل متاعب الطريق وصعوبات التفاهم اللغوي وتشعر بنفسك فعلا في بيتك وبين أهلك. في الوقت نفسه يبدون شيئا من التحفظ في علاقتهم بالأجانب، تحفظ عزة نفس يفتقدها المرء غالبا لدى الكثير من التايلنديين والكمبوديين.
الصيدليات في لاوس هي أجمل وأطرف ما يوجد على وجه الأرض. أكواخ خشبية صغيرة برف أو رفين صغيرين يحتويان على بضعة أدوية من نوع الكينا والبنيسيلين: شيء شبيه بدكان “كنتيلة” في أرياف الستينات التونسية. وغالبا ما يكون الصيدلاني جالسا إلى مائدة صغيرة مع ثلة من الأصدقاء وهم يتناولون البيرة أو الويسكي المحلي، وإذا ما لاحظ الجماعة أنك تحدق في الجلسة ينادونك ويقدمون لك كأسا وهم يرحبون بك ويدعونك إلى مجالستهم. وأحيانا تكون هناك ثلاجة بها قوارير بيرة وكوكاكولا وماء معدني للبيع طبعا، وإلى جانبها رف به بعض أكياس صغيرة من الحلوى والشوكولاطة والبسكويت.
الكثير من المدن ما زالت تحمل بقايا الطراز الكولونيالي الفرنسي. لكنها في أغلب الأحيان مجرد بقايا: شوارع قد فقدت إسفلتها، بيوت في حالة من الانهيار غالبا ما تذكرني ببعض أحياء الفرنسيين في لافايات وشارع مدريد في الثمانينات، أو حتى بعض من شوارع مدينة باجة حيث كان يسكن الإيطاليون. ذلك الإهمال الواضح الذي يلاحظه المرء في الكثير من المدن اللاووسية يعطي انطباعا كما لو أن الشعب اللاوسي لا يفعل سوى مواصلة المواجهة مع الاستعمار، لكن بطريقة سلبية تقتضي أن يترك أمر محو تلك الفترة ليد الزمن التي لا ترحم، بينما يجلسون هم هادئين متفرجين وشامتين.
وعلى أية حال فإن الشعب اللاوسي، خلافا لشعوبنا المغاربية، لا يعطي انطباعا بأنه قد استعمر في يوم ما. لقد تم احتلال البلاد، لكن الشعب لم يُستعمر. بل إنه الشعب الآسيوي الأكثر أصالة من بين ما كان يسمى بشعوب الهند الصينية. لعل السر في ذلك هو هذه القدرة العجيبة على المواجهة السلبية. وحتى “الانفتاح” الذي تشهده البلاد حاليا فيظل انفتاحا بمقدار، وبكثير من التحفظ وعزة النفس.
أثر آخر من الآثار القليلة للمرحلة الاستعمارية الفرنسية هو خبز الباكيت وسندويتشات الباكيت بالتن وعجين اللحم. ظاهرة فريدة من نوعها في جنوب شرق آسيا، ولا يلتقيها المرء إلا في هانوي وبنوم بنه.
فيانتيان من أجمل مدن جنوب شرق آسيا. وقد عادت إليها حيوية خاصة بعد الانفتاح. باراتها كثيرة ومطاعم الفضاء المفتوح التي تقدم سمكا طازجا مشويا تراه يعوم حيا في أوانٍِِ قبل أن تخرج الواحدة لتوضع لك بعد بضع دقائق مشوية على مائدتك. الفتيات جميلات ورقيقات، ونساء اللاوس عامة لطيفات وودودات ويعجبهن كثيرا التحرش بالأجانب ومغازلة “الفرنج” Farang (والعبارة متداولة في اللاوس وتايلندة وكانت في الأصل تعني، مثل العبارة العربية، الفرنسيين، ثم أصبحت تسحب على كل الأوروبيين والغربيين عامة، أو من يسمونهم يضا بـ”ألأنوف الطويلة”. أما في كمبوديا فيقولون “برنج” Barang.
أشعر بارتياح كبير بعد مغادرة أجواء التكلف التي تطغى على مدينة دبي التي بدت لي شبيهة بعاقر تضع مخدة تحت فستانها، لمجرد المغالطة.
أهل اللاوس سكّيرون من طراز أول: في الساعة الثامنة صباحا تراهم يتحلقون حول زجاجات البيرة والويسكي المحلي. وفي أواخر العشية غالبا ما ترى مجموعات من النساء متحلقات أيضا حول زجاجات البيرة وبعض صحون من الكَمْية ( المازة).
الهواية الرئيسية الأخرى إلى جانب الشراب هي الإدمان على لعب الكرة الحديدية: ميراث آخر من الحقبة الاستعمارية. في كل مكان: في باحات المستشفيات، في ساحات المدارس والمعاهد، أمام وخلف البنيات الإدارية المتنوعة، في الأحياء السكنية والأسواق ترى دوما مجموعات من الرجال والنساء والشبان وحتى الأطفال يلعبون “الباول” كما يسمون ذلك، وعندما تقول لهم إن بعض الناس في بلادنا كما في فرنسا يمارسون هذه اللعبة وتسمى “بول” أو “بيتانك” تنتابهم الدهشة وأحيانا يسألك أحدهم : هل هناك أناس من لاوس( أو “لآو” كما يسمون بلادهم) في بلادكم؟ ظنا منهم أن “الباول” لعبة لاووسية قد اجتاحت بلدان العالم لسبب يجهلونه.
كمبوديا عاهرة تعرض نفسها للبيع لكل مشتر، والغريب في الأمر أن الناس هناك والشباب بصفة خاصة مولعون ولعا شديدا بأميركا وبكل ما هو أميركي… “الكلب يحب خانقه”، كما يقول التوانسة وجدتني أحيانا أقول أمام هذا الوله الأميركي. لكن لعل للأمر علاقة ما بما قاساه الشعب على أيدي الخمير الحمر من جرائم فظيعة تفوق ما يمكن أن يخامر الخيال، ما زالت آثارها حية في النفوس وفي العلاقات العائلية الممزقة التي انجرت عن تلك التجربة.

يا الله كفى الآن هذيانا! وقد نعود في مرة أخرى لنوادر أخرى من هذه الرحلة.
ـــــــــــــ

علي مصباح ؛ من مواليد 1953 بزغوان ـ تونس .
الدراسة الجامعيّة : العلوم الاجتماعيّة بجامعة السربون بباريس .
الفلسفة والعلوم الاجتماعيّة بالجامعة الحرّة ببرلين .
النشاطات المهنيّة : – ممارسة التدريس بمعاهد التعليم الثانوي بتونس من 1980 إلى 1989.
-الكتابة الصحفيّة في صحف ومجلاّت تونسيّة.
منذ 1989: الإقامة في برلين والتفرّغ للبحث والكتابة.
المساهمة بمقالات ودراسات نقديّة ونصوص قصصيّة وترجمات في صحف ومجلاّت عربيّة مختلفة : الكرمل(فلسطين)، المدى(سوريا)، نزوى(عُمان)، الموقف الأدبي (اتحاد الكتّاب العرب بسوريا)، الحياة الثقافيّة (تونس)، مشارف (فلسطين).
*الترجمة : – قصائد للشاعر الألماني هنس ماغنوس إنسنسبيرغر نشر البعض منها في مجلّة “نزوى”.
– كتاب “<الإنجيل الخامس> لنيتشة ” –للفيلسوف الألماني بيتر سلوتردايك. عن منشورات الجمل 2003
– “هذا هو الإنسان ” لفريدرش نيتشة- عن منشورات الجمل2003
– حوارات مع برتراند راسل- دار المعرفة. تونس 2004
– “هكذا تكلّم زرادشت”، نيتشة.
من مؤلفاته:
*كتاب رحلات بعنوان “مدن و وجوه” عن دار السويدي للنشر-أبو ظبي 2004
حائز على جائزة ابن بطوطة لسنة 2004
*”طريق الصحراء”، صدر بمصر ضمن سلسلة “هوية المكان” عن الهيئة المصرية العامة للكتاب 2008
* له رواية تحت الطبع بعنوان “خوروطو”؛ أو باريس سنوات المتاهة؛ دار السويدي للنشر-المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
*ترجمت بعض قصصه القصيرة إلى الفرنسيّة ونشرت في كلّ من Qantara مجلة معهد العالم العربي بباريس، وRevue d Etudes Palestiniennes التي تصدر عن مركز البحوث والدراسات الفلسطينيّة بباريس . ترجمة إلى اللغة الأنكليزية في مجلة “بانيبال” وضمن كتاب: Sardines and Oranges; short Stories from North Africa. Banipal Books. London 2005

***

كرمة الضيف : وليد سليمان

(MarcChagall:TheDeadMan(1908


الرجل الميت

هوراسيو كيروغا
*
(الأروغواي)
عن الإسبانية: وليد سليمان ـ تونس
كان الرجل قد انتهى للتو من استصلاح الممر الخامس من بستان الموز بضربات ساطور. كان ينتظره ممران، ولكن لما كان هذان لا يطغى عليهما سوى شجر الألوريت والخبازى الوحشية، فانه سرعان ما سوف ينتهي من عمله. ألقى الرجل نظرة رضا على كدس الأشواك واستعد لاجتياز السياج كي يتمدد قليلا على العشب.
غير انه فيما كان يستند إلى السلك الشائك ليترك لنفسه ممرا، تزحلقت ساقه على قشرة انفصلت عن الوتد، في ذات اللحظة التي أفلت فيها الساطور من يده. أثناء سقوطه، خامر الرجل انطباع غامض بأن الساطور قد اختفى.
كان ممددا على العشب، على جانبه الأيمن، وضعيته المفضلة. وانغلق فمه الذي كان مفتوحا. كان مثني الركبتين ويده اليسرى على صدره، مثلما يحب. ولكن في مستوى ساعده، تحت خصره، كانت يد الساطور ونصف نصله يخرجان من قميصه، وكان النصف الآخر لا يرى.
حاول الرجل تحريك رأسه دون جدوى. ألقى نظرة منحرفة على يد الساطور وكانت لا تزال مبللة بعرقه. قدّر ذهنيا طول ومسار النصل داخل بطنه، وتوصل إلى يقين بارد، حسابي، محتوم، أنه قد وصل إلى نهاية أجله.
الموت. طيلة حياتنا، كثيرا ما نفكر انه في يوم من الأيام، بعد عديد السنوات، والأشهر، والأسابيع، والأيام، نصل بدورنا إلى عتبة الموت. انه قدر محتوم، ومقبول ولا مجال لرده إلى درجة انه يحلو لنا أن نتخيل تلك اللحظة القصوى التي نلفظ فيها نفسنا الأخير.
ولكن بين اللحظة الحاضرة وهذه الشهقة الأخيرة، كم من الأحلام، والاضطرابات، والآمال، والمآسي تنتظرنا أثناء حياتنا! ماذا تخبئ لنا أيضا هذه الحياة المليئة بالنشاط قبل اختفائنا من المسرح الإنساني؟ ذلك هو عزاؤنا، لذتنا وسبب شرودنا الفاجع : الموت بعيد جدا، وغير متوقع تماما ذلك ما يحتم علينا مواصلة الحياة!
مازالت؟…لحظتان بالكاد مرتا: الشمس في المكان ذاته بالضبط، والظلال لم تتحرك مليمترا واحدا. وبالنسبة للرجل المستلقي، انتهى شرود أفكاره للتو: انه يموت.
ميت… بالرغم من وضعيته المريحة، يمكن أن يعتبر نفسه ميتا.
لكن الرجل يفتح عينيه وينظر. كم من الزمن قد مر؟ أية كارثة قد هزت العالم؟ أية علامة في الطبيعة تكشف عن الحادث الرهيب؟
سوف يموت. ببرود وبلا رجعة، سوف يموت.
الرجل يقاوم، فمثل هذا الأمر المهول فظيع تماما! انه يفكر: هذا كابوس، حقيقة! ماذا تغير؟ لا شيء. ينظر: أليس بستان الموز هذا بستانه؟ ألا يأتي إليه للعمل كل صباح؟ من يعرفه أفضل منه؟ إنه يرى بستان الموز جيدا وبوضوح، وكذلك الأوراق الكبيرة الملساء تحت الشمس. إنها هناك، قريبة جدا، وقد مزقتها الرياح. ولكنها لم تعد تتحرك…انه هدوء منتصف اليوم، بعد قليل ينتصف النهار.
بين أشجار الموز، في البعيد، يرى الرجل المستلقي على الأرض الصلبة سقف بيته الأحمر. وعلى اليسار، يميز الغاب وحقل القرفة. لا يتمكن من رؤية شيء آخر، ولكنه يعرف جيدا أن خلف ظهره يوجد الطريق المؤدي إلى رصيف الشحن الجديد، وأن رأسه متجهة إلى الوادي حيث يسيل نهر “البارانا” نائما مثل بحيرة. كل شيء، كل شيء في مكانه تماما، الشمس النارية، الهواء المتموج والمتوحد، شجرات الموز الساكنة، السياج وأوتاده الكبيرة التي يتعين عليه تغييرها عن قريب.
ميت! ولكن هل ذلك ممكن؟ أليس هذا أحد تلك الأيام العديدة التي غادر خلالها بيته عند الفجر، حاملا ساطوره في يده؟ ألا يوجد، في هذا المكان بالذات، على بعد بضعة أمتار، حصانه الأغر وهو يتحسس بلامبالاة الأسلاك الشائكة؟
نعم بالتأكيد! هو ذا أحدهم يصفر… إنه لا يستطيع أن يراه لأنه يولي ظهره للطريق، ولكنه يسمع وقع خطوات الحصان على الجسر الصغير… إنه الصبي الذي يذهب كل صباح إلى رصيف الشحن الجديد، في الساعة الحادية عشرة والنصف وهو يصفر دائما…بين الوتد الذي نزعت منه قشرته فيكاد يلمسه بجزمته، وحباك(1) الغابة الطبيعي الذي يفصل بستان الموز عن الطريق، هناك حوالي خمسة عشر مترا. انه يعرف ذلك جيدا، مادام هو الذي قاس المسافة عندما ركّب السياج.
ماذا يحدث إذن؟ هل هو منتصف يوم عادي في “ميسيونس” أم لا، في أرض مسورة وبستان موز أشجاره متفرقة؟ نعم، دون أدنى شك ! عشب قصير، منامل مخروطية الشكل، صمت، شمس عمودية…
لا شيء، لا شيء مطلقا قد تغير، باستثناء الرجل. منذ دقيقتين، وجوده ذاته، لم تعد له أية علاقة بالأرض المسورة التي استصلحها بنفسه، طوال خمسة شهور بلا انقطاع؛ ولا ببستان الموز الذي تطلب منه مجهودا جبارا ولا بأسرته. لقد انتزع بغتة من كل ذلك، على نحو طبيعي، بسبب قشرة هشة ونصل ساطور انغرز في بطنه منذ دقيقتين. والآن هو يموت.
إزاء المظهر العادي والرتيب لما كل ما يتأمله، يرفض الرجل، وهو مستلق على جانبه الأيمن، أن يقبل ظاهرة بتلك الأهمية. الحادية عشرة والنصف، لم ينس الساعة…مثل كل يوم، اجتاز الصبي الجسر للتو.
كيف أمكن له أن يسقط…؟ رغم أن يد ساطوره (عليه أن يغيره قريبا، لأنه بدأ ينفلّ) كان يمسك بها جيدا بيده اليسرى، تحت السلك الشائك. بعد عشر سنوات عاشها في الغاب، هو يحسن تماما استعمال الساطور. هو فقط شديد التعب بعد عمله في الصباح ويرتاح قليلا كالعادة.
والدليل هو تلك العشبة التي تلامس ملتقى شفتيه، هو بنفسه الذي زرعها، من مدر تبعد إحداها مترا عن الأخرى! بستان الموز هو له، وهاهو حصانه الأغر يتشمم الأسلاك الشائكة بحذر! انه يرى كل شيء بوضوح تام؛ وهو يعرف أن الحصان لا يجرؤ على اجتياز زاوية السياج لان سيده ممدد أمام الوتد. انه يميز حتى خيوط العرق القاتمة التي تتصبب من غاربه وكفله. الشمس عالية جدا والصمت يسود، ولا تتحرك أي ورقة من أشجار الموز. كل ذلك شاهده كل يوم، مثلما يشاهده اليوم.
…انه متعب جدا، ولكنه يرتاح. لا شك أن دقائق عديدة قد مرت…وعند منتصف النهار إلا ربع، في الأعلى، ستخرج زوجته وولداه من بيته الخشبي الأحمر وسيأتون لينادونه للغداء في منتصف النهار. انه يسمع دائما، قبل أي صوت آخر، صوت ابنه الأصغر، الذي يريد التخلص من يد أمه: أبتاه! أبتاه!
أليس كذلك؟ … نعم! الوقت قد حان. وهو يسمع في الحقيقة صوت ابنه…
ياله من كابوس!…ورغم ذلك فهو يوم مثل باقي الأيام، وعادي مثل أي يوم آخر! نور يبهر البصر، ظلال شاحبة، حرارة فرن صامتة تجعل عرق حصانه الأغر الواقف بلا حراك أمام غابة الموز الممنوعة ينز عرقا.
…متعب جدا، نعم، لكن لا شيء أكثر من ذلك. كم مرة، في منتصف النهار مثل الآن، عاد إلى بيته مجتازا هذه الأرض المسورة ، التي كانت عند قدومه غابة استوائية كثيفة تغطيها الأشواك! كان يعود إلى بيته منهكا ، بخطى وئيدة، والساطور يتدلى في يده اليسرى.
لو شاء، بإمكانه التوغل بعيدا بذهنه؛ يمكنه، لو أراد، التخلي عن جسده وأن ينظر من السطيحة التي بناها بيديه إلى المشهد المعتاد: الحجارة البركانية التي يتخللها نبات العكرش ؛ بستان الموز وترابه الأحمر؛ السياج، الذي يصبح أقل ارتفاعا في المنحدر والذي يعانق انحناءات الممشى…وأبعد من ذلك، يمكنه رؤية أرضه المسورة وتحت أقدام وتد، يرى نفسه، متمددا على جنبه الأيمن، مثني القدمين، مثل كل يوم، هو، شكل مسكين متمدد تحت الشمس، يرتاح، لأنه متعب جدا…
ولكن الحصان الذي تغطيه خيوط العرق، والواقف بلا حراك وحذر في زاوية السياج، يرى هو أيضا الرجل على الأرض ولا يجرؤ على محاذاة بستان الموز مثلما يرغب في ذلك. وبسماع الأصوات المقتربة – بابيلو ! بابيلو ! – يستدير لوقت طويل جدا ، منتصب الأذنين، ناحية الشكل الذي فقد الحراك؛ وبعد أن يطمئن، يقرر المرور بين الوتد والرجل الممدد، الذي يخلد إلى الراحة من الآن فصاعدا.
—————————-
(1)حباك: حظيرة من قصب شد بعضه إلى بعض.
(*) هوراسيو كيروغا (1878 -1937): ولد في مدينة “سالتو الشرقية” بالأوروغواي، ويعتبر من رواد القصة القصيرة في أمريكا اللاتينية. كان لكيروغا تأثير كبير في عديد من أدباء اللغة الاسبانية مثل خوان رولفو وماركيز. نذكر من أهم أعماله التي ترجمت إلى عديد اللغات: شعب المرجان (1901) قصص الحب والجنون والموت (1917) قصص الغاب (1918) أناكوندا (1921)، المنفيون (1926).

**

Back to top ↑

2 thoughts on “Carma’s guest كرمة الضيف

  1. شكرا
    لا احبذ الشكر الكثير الذي يتحول غالبا الى تملق لكني حقا اشكرك على هذه المدونة التى سعدت بتصفحها و التجول فيها و خاصة بعد تعرفي اكثر على *علي مصباح* الكاتب الرحالة لا الشخص و المواطن لعادي من خلال هذه الصفحة *كرمة الضيف*
    عفاف مصباح

  2. مبروك هذه المدونة الجديدة يا محمد علي
    سعدت كثيرا بالتجول في أرجائها

    مودتي
    وليد سليمان

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s